وَالْعُلَمَاءُ لَهُمْ فِي ذَلِكَ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ : قِيلَ : يُصَلِّي حَالَ الْقِتَالِ وَلَا يُؤَخِّرُ الصَّلَاةَ ( 1 ) ، وَتَأْخِيرُ الْخَنْدَقِ مَنْسُوخٌ . وَهَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَالْإِمَامِ أَحْمَدَ فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ .
وَقِيلَ : يُخَيَّرُ بَيْنَ تَقْدِيمِهَا وَتَأْخِيرِهَا . لِأَنَّ الصَّحَابَةَ لَمَّا أَمَرَهُمُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ لَا يُصَلُّوا الْعَصْرَ إِلَّا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ ، كَانَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَخَّرَتْ ( 2 ) الصَّلَاةَ فَصَلَّوْا بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ ، وَكَانَتْ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ قَالُوا : لَمْ يُرِدْ مِنَّا إِلَّا الْمُبَادَرَةَ إِلَى الْعَدُوِّ لَا تَفْوِيتَ ( 3 ) الصَّلَاةِ . فَصَلَّوْا فِي الطَّرِيقِ ، فَلَمْ يُعَنِّفِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَحَدًا مِنَ الطَّائِفَتَيْنِ .
وَالْحَدِيثُ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ( 4 ) . وَهَذَا قَوْلُ طَائِفَةٍ مِنَ الشَّامِيِّينَ وَغَيْرِهِمْ ، وَهُوَ إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ .
وَقِيلَ : بَلْ يُؤَخِّرُونَهَا كَمَا فَعَلَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ . وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ . فَفِي الْجُمْلَةِ كُلُّ مَنْ أَخَّرَهَا تَأْخِيرًا يُعْذَرُ بِهِ إِمَّا لِنِسْيَانٍ أَوْ لِخَطَأٍ فِي الِاجْتِهَادِ فَإِنَّهُ يُصَلِّيهَا بَعْدَ الْوَقْتِ ، كَمَنْ ظَنَّ أَنَّ الشَّمْسَ لَمْ تَطْلُعْ فَأَخَّرَهَا حَتَّى طَلَعَتْ ، أَوْ ظَنَّ أَنَّ وَقْتَ الْعَصْرِ بَاقٍ فَأَخَّرَهَا حَتَّى غَرَبَتْ فَإِنَّ هَذَا يُصَلِّي .
وَعَلَى قَوْلِ الْأَكْثَرِينَ مَا بَقِيَ تَأْخِيرُهَا جَائِزًا حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ ، وَمَنْ قَالَ : إِنَّهُ يَجُوزُ التَّأْخِيرُ فَإِنَّهُ يُصَلِّيهَا ، وَلَوْ أَخَّرَهَا بِاجْتِهَادِهِ فَإِنَّهُ يُصَلِّيهَا .
وَإِنْ قِيلَ : إِنَّهُ أَخْطَأَ فِي اجْتِهَادِهِ ( 5 ) ، وَلَيْسَ هَذَا مِنْ أَهْلِ الْوَعِيدِ
هامش
( 1 ) الصَّلَاةَ : زِيَادَةٌ فِي ( ح ) ، ( ب ) .
( 2 ) ب فَقَطْ : أَخَّرُوا .
( 3 ) أ : وَلَا تَفُوتُ ، م : لَا تُفَوَّتُ ، ن : وَلَا تَفْوِيتَ .
( 4 ) وَهُوَ الْحَدِيثُ الَّذِي أَشَرْتُ إِلَيْهِ قَبْلَ قَلِيلٍ وَسَبَقَ فِيمَا مَضَى 3 / 411
( 5 ) ح ، ب : أَخْطَأَ بِاجْتِهَادِهِ .