فَإِنَّ السَّفْسَطَةَ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ : نَوْعٌ هُوَ جَحْدُ الْحَقَائِقِ وَالْعِلْمِ بِهَا . وَأَعْظَمُ مِنْ هَذَا قَوْلُ مَنْ يَقُولُ عَنِ الْمَوْجُودِ الْوَاجِبِ الْقَدِيمِ الْخَالِقِ : إِنَّهُ لَا مَوْجُودَ وَلَا مَعْدُومَ ، وَهَؤُلَاءِ مُتَنَاقِضُونَ ، فَإِنَّهُمْ جَزَمُوا بِعَدَمِ الْجَزْمِ .
وَنَوْعٌ هُوَ قَوْلُ الْمُتَجَاهِلَةِ اللَّاأَدْرِيَّةِ الْوَاقِفَةِ الَّذِينَ يَقُولُونَ : لَا نَدْرِي هَلْ ثَمَّ حَقِيقَةٌ ( 1 ) وَعِلْمٌ أَمْ لَا . وَأَعْظَمُ مِنْ هَذَا قَوْلُ مَنْ يَقُولُ : لَا أَعْلَمُ وَلَا أَقُولُ : هُوَ مَوْجُودٌ أَوْ مَعْدُومٌ أَوْ حَيٌّ أَوْ مَيِّتٌ .
وَنَوْعٌ ثَالِثٌ قَوْلُ مَنْ يَجْعَلُ الْحَقَائِقَ تَتْبَعُ الْعَقَائِدَ .
فَالْأَوَّلُ نَافٍ لَهَا ، وَالثَّانِي وَاقِفٌ فِيهَا ، وَالثَّالِثُ يَجْعَلُهَا تَابِعَةً لِظُنُونِ ( 2 ) النَّاسِ .
وَقَدْ ذُكِرَ صِنْفٌ رَابِعٌ : وَهُوَ الَّذِي يَقُولُ : إِنَّ الْعَالَمَ فِي سَيَلَانٍ فَلَا يُثْبِتُ لَهُ حَقِيقَةً . وَهَؤُلَاءِ مِنَ الْأَوَّلِ لَكِنْ هَذَا يُوجِبُهُ قَوْلُهُمْ ( 3 ) .
وَالْمَقْصُودُ هُنَا أَنَّ إِمْسَاكَ الْإِنْسَانِ عَنِ النَّقِيضَيْنِ لَا يَقْتَضِي رَفْعَهُمَا .
هامش
( 1 ) ع : هَلْ لَهُ حَقِيقَةٌ .
( 2 ) ن ، م : لِطُرُقِ .
( 3 ) ن ، م : تَوْجِيهُ قَوْلِهِمْ . وَقَالَ ابْنُ حَزْمٍ ( الْفِصَلَ 1 / 9 ) عِنْدَ كَلَامِهِ عَنِ السُّوفِسْطَائِيَّةِ : " ذَكَرَ مَنْ سَلَفَ مِنَ الْمُتَكَلِّمِينَ أَنَّهُمْ ثَلَاثُ أَصْنَافٍ : فَصِنْفٌ مِنْهُمْ نَفَى الْحَقَائِقَ جُمْلَةً ، وَصِنْفٌ شَكُّوا فِيهَا ، وَصِنْفٌ مِنْهُمْ قَالُوا هِيَ حَقٌّ عِنْدَ مَنْ عِنْدَهُ حَقٌّ وَهِيَ بَاطِلٌ عِنْدَ مَنْ هِيَ عِنْدَهُ بَاطِلٌ " . وَيُقَسِّمُهُمُ الْجُرْجَانِيُّ ( شَرْحَ الْمَوَاقِفِ لِلْإِيجِيِّ 1 / 117 - 118 ) إِلَى : اللَّاأَدْرِيَّةِ الْقَائِلِينَ بِالتَّوَقُّفِ ، وَالْعِنَادِيَّةِ وَهُمُ الَّذِينَ يُعَانِدُونَ وَيَدَّعُونَ بِأَنَّهُمْ جَازِمُونَ بِأَنْ لَا مَوْجُودَ أَصْلًا ، وَالْعِنْدِيَّةِ وَهُمُ الْقَائِلُونَ بِأَنَّ حَقَائِقَ الْأَشْيَاءِ تَابِعَةٌ لِلِاعْتِقَادَاتِ " .