تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منهاج السنة النبوية — صفحة 271

مساهمون:

ص٢٧١
وَلَمَّا قَالَ فِرْعَوْنُ : { فَمَنْ رَبُّكُمَا يَامُوسَى قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى } [ سُورَةُ طه : 49 - 50 ] ، فَكَانَ جَوَابُ مُوسَى لَهُ جَوَابًا لِلْمُتَجَاهِلِ الَّذِي يُظْهِرُ أَنَّهُ لَا يَعْرِفُ الْحَقَّ وَهُوَ مَعْرُوفٌ عِنْدَهُ ، فَإِنَّ سُؤَالَ فِرْعَوْنَ بِقَوْلِهِ : { وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ } اسْتِفْهَامُ إِنْكَارٍ لِوُجُودِهِ ، لَيْسَ هُوَ اسْتِفْهَامَ طَلَبٍ لِتَعْرِيفِ مَاهِيَّتِهِ كَمَا ظَنَّ ذَلِكَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ ، وَقَالُوا : إِنَّ فِرْعَوْنَ طَالَبَهُ بِبَيَانِ الْمَاهِيَّةِ ، فَعَدَلَ عَنْ ذَلِكَ لِامْتِنَاعِ الْجَوَابِ بِذِكْرِهَا ، فَإِنَّ هَذَا غَلَطٌ مِنْهُمْ ، فَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَمْ يَكُنْ مُقِرًّا بِالصَّانِعِ أَلْبَتَّةَ ، بَلْ كَانَ جَاحِدًا لَهُ ، وَكَانَ اسْتِفْهَامُهُ اسْتِفْهَامَ إِنْكَارٍ لِوُجُودِهِ ، وَلِهَذَا قَالَ : { مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي } [ سُورَةُ الْقَصَصِ : 38 ] ، وَقَالَ : { أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى } [ سُورَةُ النَّازِعَاتِ : 24 ] ، وَلَوْ كَانَ مُقِرًّا بِوُجُودِهِ طَالِبًا لِمَعْرِفَةِ مَاهِيَّتِهِ لَمْ يَقِلْ هَذَا ، وَلَكَانَ مُوسَى مَا أَجَابَهُ إِجَابَةً لَمْ تُذْكَرْ فِيهَا مَاهِيَّتُهُ ( 1 ) . مَعَ أَنَّ الْقَوْلَ بِأَنَّ الْمَاهِيَّةَ هِيَ مَا يَقُولُهُ الْمَنْطِقِيُّونَ مِنْ ذِكْرِ الذَّاتِيِّ الْمُشْتَرَكِ وَالذَّاتِيِّ الْمُمَيَّزِ ، وَهُمَا الْجِنْسُ وَالْفَصْلُ ، كَلَامٌ بَاطِلٌ قَدْ بُسِطَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ ، وَبُيِّنَ أَنَّ الْمَاهِيَّةَ الْمُغَايِرَةَ لِلْوُجُودِ الْخَارِجِيِّ إِنَّمَا هِيَ مَا يُتَصَوَّرُ فِي الذِّهْنِ ، فَإِنَّ مَا فِي الْأَذْهَانِ مِنَ الصُّوَرِ الذِّهْنِيَّةِ لَيْسَ هُوَ نَفْسَ الْمَوْجُودَاتِ الْخَارِجِيَّةِ . وَأَمَّا دَعْوَى أَهْلِ الْمَنْطِقِ الْيُونَانِيِّ أَنَّ فِي الْخَارِجِ مَاهِيَّةً وَوُجُودًا غَيْرَ
هامش
( 1 ) فِي الْأَصْلِ ( ع ) : لَمْ يَقِلْ هَذَا وَ ، وَبَعْدَ حَرْفِ الْوَاوِ إِشَارَةٌ إِلَى الْهَامِشِ حَيْثُ كُتِبَ : لَكَانَ مُوسَى ، وَبَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَصْلِ : لَمَّا أَجَابَهُ بِمَا أَجَابَهُ لَمْ تُذْكَرْ مَاهِيَّتُهُ ، وَتُوجَدُ فِي الْهَامِشِ أَمَامَ هَذِهِ الْعِبَارَةِ كَلِمَةٌ أُخْرَى هِيَ " لَقَالَ " . وَأَرْجُو أَنْ يَكُونَ مَا أَثْبَتُّهُ مُوفِّيًا بِالْمَعْنَى الَّذِي قَصَدَهُ ابْنُ تَيْمِيَّةَ .
منهاج السنة النبوية — صفحة 271 | ابن تيمية / محمد رشاد سالم