الْمَعْدُومُ لَا يَكُونُ مُؤَثِّرًا فِي الْمَوْجُودِ ( 1 ) ، وَهَذَا كُلُّهُ مَعْلُومٌ . فَتَبَيَّنَ أَنَّ الْكَمَالَ لَيْسَ مُمْتَنِعًا عَلَيْهِ ، وَإِذَا كَانَ جَائِزًا أَنْ يَحْصُلَ وَجَائِزًا أَنْ لَا يَحْصُلَ ، لَمْ يَكُنْ حَاصِلًا إِلَّا بِسَبَبٍ آخَرَ ، فَيَكُونُ وَاجِبُ الْوُجُودِ مُفْتَقِرًا فِي كَمَالِهِ إِلَى غَيْرِهِ ، وَقَدْ تَبَيَّنَ بُطْلَانُ هَذَا أَيْضًا .
فَتَبَيَّنَ أَنَّ الْكَمَالَ لَازِمٌ لِوَاجِبِ الْوُجُودِ وَاجِبٌ لَهُ يَمْتَنِعُ سَلْبُ الْكَمَالِ عَنْهُ ، وَالْكَمَالُ أُمُورٌ وُجُودِيَّةٌ ، فَالْأُمُورُ الْعَدَمِيَّةُ لَا تَكُونُ كَمَالًا إِلَّا إِذَا تَضَمَّنَتْ أُمُورًا وُجُودِيَّةً ، إِذِ الْعَدَمُ الْمَحْضُ لَيْسَ بِشَيْءٍ فَضْلًا عَنْ أَنْ يَكُونَ كَمَالًا ، فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ إِذَا ذَكَرَ مَا يَذْكُرُهُ مِنْ تَنْزِيهِهِ وَنَفْيِ النَّقَائِصِ عَنْهُ ، ذَكَرَ ذَلِكَ فِي سِيَاقِ إِثْبَاتِ صِفَاتِ الْكَمَالِ لَهُ ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى : { اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ } [ سُورَةُ الْبَقَرَةِ : 255 ] فَنَفِيُ السِّنَةِ وَالنَّوْمِ يَتَضَمَّنُ كَمَالَ الْحَيَاةِ وَالْقَيُّومِيَةِ ، وَهَذِهِ مِنْ صِفَاتِ الْكَمَالِ .
وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ : { لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ } [ سُورَةُ سَبَأٍ : 3 ] ، فَإِنَّ نَفْيَ عُزُوبِ ذَلِكَ عَنْهُ يَتَضَمَّنُ عِلْمَهُ بِهِ ، وَعِلْمُهُ بِهِ مِنْ صِفَاتِ الْكَمَالِ .
وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ : { وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ } [ سُورَةُ ق : 38 ] ، فَتَنْزِيهُهُ لِنَفْسِهِ عَنْ مَسِّ اللُّغُوبِ يَقْتَضِي كَمَالَ قُدْرَتِهِ ، وَالْقُدْرَةُ مِنْ صِفَاتِ الْكَمَالِ ، فَتَنْزِيهُهُ يَتَضَمَّنُ كَمَالَ حَيَاتِهِ وَقِيَامِهِ وَعِلْمِهِ وَقُدْرَتِهِ ، وَهَكَذَا نَظَائِرُ ذَلِكَ .
فَالرَّبُّ تَعَالَى مَوْصُوفٌ بِصِفَاتِ الْكَمَالِ الَّتِي لَا غَايَةَ فَوْقَهَا ، إِذْ كُلُّ غَايَةٍ تَفْرِضُ كَمَالًا إِمَّا أَنْ تَكُونَ وَاجِبَةً لَهُ أَوْ مُمْكِنَةً أَوْ مُمْتَنِعَةً . وَالْقِسْمَانِ
هامش
( 1 ) أ ، ب : الْوُجُودِ .