وَهَذَا الْمَقَامُ بُرْهَانٌ بَيِّنٌ لِمَنْ تَأَمَّلَهُ . وَبَيَانُهُ أَنَّ النَّاسَ مُتَنَازِعُونَ فِي إِثْبَاتِ الصِّفَاتِ لِلَّهِ : فَأَهْلُ السُّنَّةِ يُثْبِتُونَ الصِّفَاتِ لِلَّهِ ، وَكَثِيرٌ مِنَ الْفَلَاسِفَةِ وَالشِّيعَةِ يُوَافِقُهُمْ عَلَى ذَلِكَ ، وَأَمَّا الْجَهْمِيَّةُ وَغَيْرُهُمْ - كَالْمُعْتَزِلَةِ ( 1 ) وَمَنْ وَافَقَهُمْ مِنَ الشِّيعَةِ وَالْفَلَاسِفَةِ كَابْنِ سِينَا وَنَحْوِهِ - فَإِنَّهُمْ يَنْفُونَ الصِّفَاتِ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى ، وَيَقُولُونَ : ( 2 ) : إِنَّ إِثْبَاتَهَا تَجْسِيمٌ وَتَشْبِيهٌ وَتَرْكِيبٌ ( 3 )
[ عمدة الفلاسفة على نفي الصفات هي حجة التركيب ]
وَعُمْدَةُ ابْنِ سِينَا [ وَأَمْثَالِهِ ] ( 4 ) عَلَى نَفْيِهَا هِيَ ( 5 ) حُجَّةُ التَّرْكِيبِ ، وَهُوَ أَنَّهُ لَوْ كَانَ لَهُ صِفَةٌ لَكَانَ مُرَكَّبًا ، وَالْمُرَكَّبُ مُفْتَقِرٌ إِلَى جُزْئَيْهِ ، وَجُزْءَاهُ ( 6 ) غَيْرُهُ ، وَالْمُفْتَقِرُ إِلَى غَيْرِهِ لَا يَكُونُ وَاجِبًا بِنَفْسِهِ .
وَقَدْ تَكَلَّمَ النَّاسُ عَلَى إِبْطَالِ هَذِهِ الْحُجَّةِ مِنْ وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ بِسَبَبِ أَنَّ لَفْظَ " التَّرْكِيبِ " وَ " الْجُزْءِ " وَ " الِافْتِقَارِ " وَ " الْغَيْرِ " أَلْفَاظٌ مُجْمَلَةٌ .
فَيُرَادُ بِالْمُرَكَّبِ مَا رَكَّبَهُ غَيْرُهُ ، وَمَا كَانَ مُتَفَرِّقًا فَاجْتَمَعَ ، وَمَا يَقْبَلُ التَّفْرِيقَ ، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ مُنَزَّهٌ عَنْ هَذَا بِالِاتِّفَاقِ ، وَأَمَّا الذَّاتُ الْمَوْصُوفَةُ بِصِفَاتٍ لَازِمَةٍ لَهَا ، فَإِذَا سَمَّى الْمُسَمِّي هَذَا تَرْكِيبًا ، كَانَ هَذَا اصْطِلَاحًا لَهُ لَيْسَ هُوَ الْمَفْهُومَ مِنْ لَفْظِ الْمُرَكَّبِ .
وَالْبَحْثُ إِذَا كَانَ فِي الْمَعَانِي الْعَقْلِيَّةِ لَمْ يُلْتَفَتْ فِيهِ إِلَى اللَّفْظِ .
هامش
( 1 ) ن ، م : مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ .
( 2 ) ن ، م : فَهُمْ يَنْفُونَ الصِّفَاتِ لِلَّهِ وَيَقُولُونَ . .
( 3 ) ن : تَشْبِيهٌ وَتَجْسِيمٌ وَتَرْكِيبٌ ; م : سُنَّةٌ وَتَرْكِيبٌ . .
( 4 ) " وَأَمْثَالِهِ " سَاقِطَةٌ مِنْ ( ن ) ، ( م ) .
( 5 ) ن ، م : هُوَ .
( 6 ) ن : وَجُزْؤُهُ .