تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منهاج السنة النبوية — صفحة 408

مساهمون:

ص٤٠٨
يُفَارِقُ الْعَاجِزَ ( 1 ) كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : { فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ } [ سُورَةُ التَّغَابُنِ : 16 ] ، وَقَوْلِهِ : { وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا } [ سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ : 97 ] ، وَقَوْلِهِ : { فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا } [ سُورَةُ الْمُجَادَلَةِ : 4 ] . فَإِنَّ هَذِهِ الِاسْتِطَاعَةَ لَوْ لَمْ تَكُنْ [ إِلَّا ] ( 2 ) مُقَارِنَةً لِلْفِعْلِ ، لَمْ يَجِبِ الْحَجُّ عَلَى مَنْ لَمْ يَحُجَّ ، وَلَا وَجَبَ عَلَى مَنْ لَمْ يَتَّقِ اللَّهَ أَنْ يَتَّقِيَ اللَّهَ ، وَلَكَانَ كُلُّ مَنْ لَمْ يَصُمِ الشَّهْرَيْنِ الْمُتَتَابِعَيْنِ غَيْرَ مُسْتَطِيعٍ لِلصِّيَامِ ، وَهَذَا كُلُّهُ خِلَافُ هَذِهِ النُّصُوصِ وَخِلَافُ إِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ . فَمَنْ نَفَى هَذِهِ الْقُدْرَةَ مِنَ الْمُثْبِتِينَ لِلْقَدَرِ ، وَزَعَمَ أَنَّ الِاسْتِطَاعَةَ لَا تَكُونُ إِلَّا مَعَ الْفِعْلِ ، فَقَدْ بَالَغَ فِي مُنَاقَضَةِ الْقَدَرِيَّةِ الَّذِينَ يَقُولُونَ : لَا تَكُونُ الِاسْتِطَاعَةُ إِلَّا قَبْلَ الْفِعْلِ . فَإِنَّ هَؤُلَاءِ أَخْطَئُوا حَيْثُ زَعَمُوا ذَلِكَ ، وَقَالُوا : إِنَّ كُلَّ مَا يَقْدِرُ ( 3 ) بِهِ الْعَبْدُ عَلَى الْإِيمَانِ وَالطَّاعَةِ فَقَدْ ( 4 ) سَوَّى اللَّهُ فِيهِ بَيْنَ الْمُؤْمِنِ وَالْكَافِرِ ، بَلْ سَوَّى بَيْنَهُمَا فِي كُلِّ مَا يُمْكِنُ ( 5 ) أَنْ يُعْطِيَهُ لِلْعَبْدِ ( 6 ) مِمَّا بِهِ يُؤْمِنُ وَيُطِيعُ . وَهَذَا الْقَوْلُ فَاسِدٌ قَطْعًا ، فَإِنَّهُ لَوْ كَانَا مُتَسَاوِيَيْنِ فِي جَمِيعِ أَسْبَابِ الْفِعْلِ ، لَكَانَ اخْتِصَاصُ أَحَدِهِمَا بِالْفِعْلِ دُونَ الْآخَرِ تَرْجِيحًا لِأَحَدِ الْمُتَمَاثِلَيْنِ عَلَى الْآخَرِ مِنْ غَيْرِ مُرَجِّحٍ . وَهَذَا هُوَ أَصْلُ هَؤُلَاءِ الْقَدَرِيَّةِ
هامش
( 1 ) ن : فِي الْأَمْرِ فَارَقَ بِهَا الْعَاجِزَ ؛ م : فِي الْأَمْرِ الَّتِي فَارَقَ بِهَا الْعَاجِزَ . ( 2 ) إِلَّا : سَاقِطَةٌ مِنْ ( ن ) فَقَطْ . ( 3 ) ن ( فَقَطْ ) : كُلَّ مَا قُدِّرَ . ( 4 ) ن ، م : قَدْ . ( 5 ) ن ، م ، ا : يُمْكِنُهُ . ( 6 ) ا ، ب : الْعَبْدَ .
منهاج السنة النبوية — صفحة 408 | ابن تيمية / محمد رشاد سالم