تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منهاج السنة النبوية — صفحة 379

مساهمون:

ص٣٧٩
تُتَصَوَّرُ الْمُمْتَنَعَاتُ ، بِأَنْ يُقَدَّرَ فِي الذِّهْنِ تَقْدِيرًا لَا يُتَصَوَّرُ تَحَقُّقُهُ فِي الْخَارِجِ ، فَإِنَّ تَحَقُّقَهَا ( 1 ) فِي الْخَارِجِ مُمْتَنَعٌ . وَعَلَى هَذَا فَإِذَا قِيلَ : الْمُحْوِجُ إِلَى الْمُؤَثِّرِ هُوَ الْإِمْكَانُ أَوْ هُوَ الْحُدُوثُ ، لَمْ يَكُنْ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ مُنَافَاةٌ ، فَإِنَّ كُلَّ مُمْكِنٍ حَادِثٌ ، وَكُلُّ حَادِثٍ مُمْكِنٌ ، فَهُمَا مُتَلَازِمَانِ . وَلِهَذَا جَمَعَ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ مَنْ قَالَ : إِنَّ ( 2 ) الْمُحْوِجَ إِلَى الْمُؤَثِّرِ هُوَ الْإِمْكَانُ وَالْحُدُوثُ جَمِيعًا . فَالْأَقْوَالُ الثَّلَاثَةُ صَحِيحَةٌ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ ، وَإِنَّمَا وَقَعَ النِّزَاعُ لَمَّا ظَنَّ مَنْ ظَنَّ أَنَّهُ يَكُونُ الشَّيْءُ مُمْكِنًا مَعَ كَوْنِهِ غَيْرَ حَادِثٍ . وَهَذَا الَّذِي قُرِّرَ فِي امْتِنَاعِ كَوْنِ الْعَالَمِ قَدِيمًا ، وَامْتِنَاعِ كَوْنِ فَاعِلِهِ عِلَّةً قَدِيمَةً أَزَلِيَّةً صَحِيحٌ ، سَوَاءٌ قِيلَ : إِنَّهُ مُرِيدٌ بِإِرَادَةٍ أَزَلِيَّةٍ مُسْتَلْزِمَةٍ لِاقْتِرَانِ مُرَادِهَا بِهَا ( 3 ) ، أَوْ قِيلَ : لَيْسَ بِمُرِيدٍ ، وَسَوَاءٌ قِيلَ : إِنَّهُ عِلَّةٌ لِلْفَلَكِ مَعَ حَرَكَتِهِ ، أَوْ لِلْفَلَكِ بِدُونِ حَرَكَتِهِ . وَهَكَذَا الْقَوْلُ فِي كُلِّ مَا يُقَدَّرُ ( 4 ) قَدِيمًا مَعَهُ ، فَإِنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مُقَارِنًا لِشَيْءٍ مِنَ الْحَوَادِثِ ، أَوْ مُمْكِنًا أَنْ يُقَارِنَهُ شَيْءٌ مِنَ الْحَوَادِثِ . وَعَلَى التَّقْدِيرَيْنِ يُمْتَنَعُ أَنْ يَكُونَ قَدِيمًا مَعَ اللَّهِ [ تَعَالَى ] ( 5 ) ؛ لِأَنَّ الْقَدِيمَ لَا يَكُونُ إِلَّا عَنْ مُوجَبٍ تَامٍّ مُسْتَلْزِمٍ لِمُوجِبِهِ ، وَثُبُوتُ هَذَا فِي الْأَزَلِ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا يَحْدُثُ عَنْهُ شَيْءٌ ، وَالْحَوَادِثُ لَا تَحْدُثُ إِلَّا عَنْهُ ، فَلَا يَكُونُ مُوجِبًا أَزَلِيًّا
هامش
( 1 ) ب : تَحَقُّقَهُ . ( 2 ) إِنَّ : سَاقِطَةٌ مِنْ ( ا ) ، ( ب ) . ( 3 ) بِهَا : سَاقِطَةٌ مِنْ ( ا ) ، ( ب ) . ( 4 ) ن ، م : وَهَذَا الْقَوْلُ فِيمَا يُقَدَّرُ . ( 5 ) تَعَالَى : زِيَادَةٌ فِي ( ا ) ، ( ب ) .
منهاج السنة النبوية — صفحة 379 | ابن تيمية / محمد رشاد سالم