تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الجامع الكبير في صناعة المنظوم من الكلام والمنثور — صفحة 99

مساهمون:

ص٩٩
ولا الضالين ) . هذا رجوع ( من ) الغيبة إلى الخطاب . ومما يختص به هذا الكلام من الفوائد ، إنه ذكر الحقيق بالحمد وأجرى عليه تلك الصفات العظام من الربوبية العامة ، والملك الخاص ، فعلم العالم بمعلوم عظيم الشأن ، حقيق بالخضوع له ، والاستعانة في المهمات به فخوطب ذلك المعلوم الموصف بتلك الصفات فقيل : إياك نعبد يا من هذه صفاته ، أي تخص بالعبادة والاستعانة ، ليكون أدل على العبادة ، لذلك التميز الذي لا تحق العبادة إلا به ، فإن قوله ( إياك نعبد وإياك نستعين ) بعد قوله ( الحمد لله رب العالمين ) ليس العدول فيه من الغيبة إلى الخطاب اتساعاً إنما عدل إليه لفائدة حسنة ، وذلك أن الحمد لله دون العبادة ، ألا تراك تحمد نظيرك ولا تعبده . فلما كان الحال كذلك استعمل لفظ ( الحمد ) لتوسطه مع الغيبة في الخير ، فقال : ( الحمد لله ) ولم يقل ( لك ) ، ولما صار إلى العبادة التي هي أقصى الطاعات قال ( إياك نعبد ) فخاطب العباد إصراحا بها ، وتقربا منه - عز اسمه - بالانتهاء إلى محدود منها وعلى نحو من ذاك جاء آخر السورة فقال ( صراط الذين أنعمت عليهم ) فأصرح بالخطاب لما ذكر النعمة ، ثم قال ( غير المغضوب عليهم ) ولم يقل ( غير الذين غضب عليهم ) لأن الأول موضع التقرب من الله بذكر نعمه ، فلما صار إلى ذكر الغضب قال ( غير المغضوب عليهم ) فجاء باللفظ منحرفاً به عن ذكر الغضب ، فأسند النعمة إليه لفظاً ، وزوى عنه ذكر الغضب تحسناً ولطفاً ، فانظر إلى هذه اللغة الشريفة وتناسب هذه المعاني اللطيفة التي الأقدام ( لا ) تكاد تطؤها ، والأفهام مع قربها صافحة عنها . ومن هذا الجنس قوله تعالى ( وقالوا اتخذ الرحمن ولداً لقد جئتم شيئاً إذا ) فقوله ( لقد جئتم ) وما فيه من المخاطبة بعد الغيبة زيادة تنكيل عليهم ، بالجرأة على الله - عز وجل -
الجامع الكبير في صناعة المنظوم من الكلام والمنثور — صفحة 99 | ضياء الدين بن الأثير الجزري الموصلي / مصطفى جواد