تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الجامع الكبير في صناعة المنظوم من الكلام والمنثور — صفحة 101

مساهمون:

ص١٠١
إظهاراً للنصف ، وبعد عن التعصب لنفسه ، فقرر أولاً في صدر الآية ، بأنه رسول إلى الناس ، وأثبت ذلك في أنفسهم ، ثم أخرج كلامه من الخطاب إلى معرض الغيبة لغرضين كبيرين قد ذكرتهما . الضرب الثاني : الرجوع من الفعل المستقبل إلى فعل الأمر ، يفعل ذلك تعظيماً لحال من أجري عليه فعل الأمر . فمما جاء منه قوله تعالى ( يا هود ما جئتنا ببينه وما نحن بتاركي آلهتنا عن قولك وما نحن لك بمؤمنين ، إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء قال إني أشهد الله واشهدوا أني بريء مما تشركون ) ولم يقل ( وأشهدكم ) ليكون موازناً له وبمعناه ، لأن إشهاد الله على البراءة من الشرك صحيح ثابت في معنى يثبت التوحيد ، ويشد معاقده . وأما إشهادهم فما هو إلا تهاون بدينهم ، ودلالة على قلة المبالاة بهم ، ولذلك عدل به عن لفظ الأول ، لاختلاف ما بينهما وجئ به على لفظ الأمر ؛ كما يقول الرجل لمن يبس الثرى بينه وبينه : اشهد علي إني أحبك . تهكماً به واستهانة بحاله . وأمثال هذا كثيرة فاعرفها . الضرب الثالث : الرجوع من خطاب التثنية إلى خطاب الجمع ، ومن خطاب الجمع إلى خطاب الواحد . فمن ذلك قوله تعالى ( وأوحينا إلى موسى وأخيه أن تبوءا لقومكما بمصر بيوتاً . واجعلوا بيوتكم قبلة ، وأقيموا الصلاة ، وبشر المؤمنين ) . ألا ترى إلى هذا المعنى والتوسع في الكلام فإنه نوع الخطاب ، فثنى ثم جمع ثم وحد ، فخاطب موسى وهارون - عليهما السلام - بالنبوة والاختيار ، وذلك مما يفوض إلى الأنبياء . ثم ساق الخطاب لهما ولقومهما باتخاذ المساجد ،