تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الجامع الكبير في صناعة المنظوم من الكلام والمنثور — صفحة 102

مساهمون:

ص١٠٢
وإقامة الصلاة ، كأن ذلك واجب على الجمهور ، ثم خص موسى - صلوات الله عليه - بالبشارة التي هي الغرض ، تعظيماً له وتفخيماً لا مره ، ولأنه الرسول على الحقيقة . ومن هذا النحو قوله تعالى : حكاية عن حبيب النجار ( وما لي لا أعبد الذي فطرني وإليه ترجعون ) هذا عدول عن خطاب الواحد ، إلى خطاب الجماعة . وإنما صرف الكلام عن خطاب نفسه إلى خطابهم ، لأن أبرز الكلام لهم في معرض المناصحة لنفسه ، وهو يريد مناصحتهم ، ليلطف بهم ، ويداريهم ، ولأن ذلك دخل في إمحاض النصح ؛ حيث لا يريد لهم إلا ما يريد لنفسه ، وقد وضع قوله : ( ما لي لا أعبد الذي فطرني ) مكان قوله : وما لكم لا تعبدون الذي فطركم ، ألا ترى إلى قوله ( وإليه ترجعون ) ولولا إنه قصد ذلك لقال : الذي فطرني وإليه أرجع ، وقد ساقه ذلك المساق إلى أن قال ( تعالوا إني آمنت بربكم فاسمعون ) يريد فاسمعوا قولي وأطيعوني ، فقد نبهتكم على الصحيح الذي لا معدل عنه ، لأن العبادة لا تصح إلا لمن مبتدؤكم ، وإليه مرجعكم . فانظر أيها المتأمل لكتابنا هذا ، إلى هذه الدقائق التي أشرنا إليها في غضون هذا الكلام ، فإن فيها ما شئت من اللطائف اللطيفة ، والفوائد العجيبة . القسم الثاني من النوع الثالث في الإخبار عن الفعل الماضي بالمضارع وعن الفعل المضارع بالماضي وهو قسم من التأليف ، لطيف المأخذ ، دقيق المغزى ، فالأول : الإخبار بالفعل المضارع عن الماضي ، اعلم أن الفعل المضارع إذا أني به في حال الإخبار عن وجود الفعل كان ذلك أبلغ من الإخبار بالفعل الماضي ، وذلك لأن الفعل المضارع يوضح الحال التي يقع فيها ، ويستحضر تلك الصورة حتى كأن السامع يشاهدها ، وليس كذلك الفعل الماضي ، فمما جاء قوله تعالى : ( والله الذي أرسل الرياح فتثير سحاباً فسقناه إلى بلد ميت فأحيينا به الأرض بعد موتها كذلك