تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الجامع الكبير في صناعة المنظوم من الكلام والمنثور — صفحة 91

مساهمون:

ص٩١
وأما الإيجاز فهو أن قولنا ، ( زيد أسد ) يسد مسد قولنا ( زيد من حالة كيت وكيت ، وهو من الشدة والشجاعة على كذا وكذا ) مما يطول ذكره ، ويتسع القول فيه . فاعرف ذلك . واعلم أن تشبيه الشيء ( بالشيء ) لا يخلو من أحد قسمين : إما أن يكون الشيئان ، المشبه أحدهما بالآخر ، متفقين من جميع الجهات ، وإما أن يكونا متفقين من وجه دون . فإن كانا متفقين من جميع الجهات كالسوادين والبياضين فليس هذا من غرضنا إذ لا كبير قائدة فيه . وأن كان اتفاقهما من وجه دون وجه ، فهما إذا مختلفان . فيقي كلامنا الآن على تشبيه شيئين مختلفين أحدهما بالآخر ، كقولنا : ( زيد أسد ) فإن غرضنا من هذا ، أن تشبه شهامة زيد وشجاعته وجرأته ، لا أن زيداً أسد من جميع الجهات . فأنا لو أردنا ذلك لكان هو هو ، وهذا محال ، لأن زيداً ليس أسداً ، وإنما هو إنسان . فاعرف ذلك . واعلم أن التشبيه يكون بأداته ، كالكاف وكان وما جرى هذا المجرى . ويكون بغير أداته ، وهو أن يجعل الكلام خلواً منها صالحاً لتقريرها فيه . وإذا جاء التشبيه بغير أداته كان أبلغ وأوجز . والدليل على ذلك ، قولنا : ( زيد أسد ) يعطي ظاهره من المعنى أنا أخبرنا عن زيد إنه أسد ، وذكرنا إنه هو . إلا أن حرف التشبيه في ذلك مقدر . وإذا قلنا ( زيد كأنه الأسد ) فتكون قد أظهرنا فيه حرف التشبيه ، الذي كان مخفياً في الأول ، فيصير حينئذ تشبيهاً لزيد بالأسد . وفي الأول إنه كان قد جعل هو الأسد ، وحرف التشبيه مقدر فيه تقديراً . فمن هذا الوجه كان الأول أبلغ ، وأشد موقعاً في النفس . وأما كونه أوجز ، فلأن قولنا : ( زيد أسد ) أخص من قولنا : ( زيد كأنه الأسد ) وإن كان المعنيان سواء . فاعرف ذلك . واعلم إنه لا يخلو الشيئان في تشبيه أحدهما بالآخرين من ثلاثة أقسام : إما تشبيه معنى بمعنى ، كالذي ذكرناه من قولنا : ( زيد أسد ) . وإما تشبيه معنى بصورة ، كقوله تعالى : ( والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة . . . ) . الآية . فشبه ما لا يدرك بالحاسة ( بما يدرك بها )