ومن قبح الاستعارة أيضاً قوله :
وتقاسم الناس السخاء مجزاً . . . وذهبت أنت برأسه وسنامه
وتركت للناسِ الإِرهابَ وما بقي . . . من فرثِهِ وعُروقهِ وعظامهِ
فاستعار للسخاء ، رأساً وسناماً وإهاباً وعظاماً وعروقاً . وما قنع بذلك ، حتى استعار له فرثاً ، فصار السخاء جملاً على الحقيقة . وأمثال ذلك كثيرة .
ولا يخلو الناظم أو النائر من سقطات تؤخذ عليه ، إلا إنه ينبغي أن تكون مغفورة في جنب ماله من الجيد الحسن ، لأن ذلك لا يحط من قدره في صناعته إذ العالم من تعد سقطاته ، لا من يعد جيده .
ومن الاستعارة البعيدة قول بعضهم :
إلى ملك في أيكة المجد لم يزل . . . على كبد المعروف من نَيْله بَرْدُ
فإن استعارته للمجد أيكة ، أقرب مأخذاً من استعارته للمعروف كبداً ، وإن كانت الاستعارتان من البعد على ما أذكره لك ، وهو أني أقول : قد ثبت أن الاستعارة هي الجمع بين شيئين بمعنى مشترك بينهما يكسب بيان أحدهما بالآخر ، وهذه قاعدة مسلمة ، لا نزاع فيها بحال من الأحوال . وإذا كان الأمر كذلك ، فالجامع بين المجد
والأيكة وجه بعيد . وذلك أن المجد في وضع اللغة : هو المحتد الكريم ، أي الأصل الكريم . والأيكة في وضع اللغة : واحدة الأيك ، وهو شجر ماتف ، فلما كان المجد هو المحتد الكريم ، أي الأصل ، كان للأيكة أصل أجيز استعارته للمجد أيكة من هذا الوجه ، وفيه بعد ، وسبب بعده ؛ إنه يسوغ لقائل أن يقول : إن كل ما كان له أصل على هذا القياس يجوز أن يستعار للمجد ؛ كقولنا : ( جبل المجد ) و ( حائط المجد ) وغير ذلك مما له أصل ، وهذا بعيد جداً .
الجامع الكبير في صناعة المنظوم من الكلام والمنثور — صفحة 89
مساهمون: ضياء الدين بن الأثير الجزري الموصلي
ص٨٩