تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الجامع الكبير في صناعة المنظوم من الكلام والمنثور — صفحة 88

مساهمون:

ص٨٨
والبعيد الطرح إما أن يكون لبعده مما استعير له في الأصل ، أو لأجل إنه استعارة مبنية على استعارة أخرى فيضعفه لذلك . هذا ما ذكره ابن سنان في تقسيم الاستعارة . وإذا كانت الاستعارة المبنية على استعارة أخرى عنده بعيدة ضعيفة ، فكيف جعلها وسطاً ! ؟ هذا تناقض في القول ، فاعرفه . الوجه الثاني : أنه لم يأخذ على أبي القاسم الآمدي في موضع الأخذ ، لأنه لم يختر إلا ما حسن اختباره ، وكان بديعاً في بابه . فإن الاستعارة قد يثبت أنها جمع بين شيئين بمعنى مشترك بينهما ، يكسب بيان أحدهما بالآخر . وهذا الحكم موجود في بيت امرئ القيس ، فإنه لو لم يكن لليل صدر ، أعني أولا ، ولم يكن له وسط وآخر لما حسنت هذه الاستعارة . ولما كان كذلك استعار لوسطه صلباً ، وجعله متمطياً . وجعل لصدره المتثاقل ، أعني أوله ، كلكلاً وجعله نائياً ، واستعار لآخره عجزاً ، وجعله رادفاً لوسطه . وذلك من الاستعارات المناسبة ، التي لا أمد فوقها فاعرفها . وحيث ذكرنا للاستعارة المناسبة أمثلة يحتذيها المترشح لهذه الصناعة ، ويستعملها في كلامه ، فيجب حينئذ أن تذكر القسم الآخر ، وهو غير المناسب ، ونضرب له أمثلة يعرف بها أيضاً ، فمن ذلك قول أبي تمام : يومُ فتح سقى أسودَ الضواحي . . . كُشَبَ الموت رائباً وحليبا فإنه لا شيء أقبح من هذه الاستعارة ، ولا أشد تباعدا بينها وبين ما استعيرت له ، فما كفاه أن جعل للموت كثباً ، أي ألباناً ، واحدها ( كثبة ) حتى جعل بعضها رائباً ، وبعضها حليباً ثم إن الموت من شأنه أن يستعار له ما يكره لا ما يستطاب .