ومن هذا النوع أيضاً قوله في الخمر :
صعُبت فراضَ الماءُ سيسيء خلقها . . . فتعّلمتْ من حُسنِ خلق الماء
ألا ترى إلى حسن هذه الاستعارة ، فإنه ليس بشيء أحسن من قوله في الخمر بأنها سيئة الخلق ، وذلك حيث تكون صرفاً لا يستطاع شربها ، ولا يمكن اساغتها ، كالخلق السيئ الذي تعافه الأنفس ، وتستكرهه الأرواح . وقوله ( حسن خلق الماء ) أيضاً غاية في الجودة ؛ لأن الماء الصافي في سلاسته ، ولطافة جوهره ، شبيه
بالخلق السهل الطيب . وأبداً توصف الأخلاق الحسنة بالماء ؛ فيقال ، ( فلان ألطف أخلاقاً من الماء ) لأنه ليس في الأجسام المدركة بالبصر ألطف ولا أرق من الماء ؛ لأن النفس تجد لمشاهدته من اللذة ، والسرور ، والانبساط ، مالا خفاء به . ولهذا قال يعض الحكماء : ( الماء من طبع الروح ) . ومما يؤيد قوله هذا ، ما ورد في القرآن الكريم ؛ فإنه قد ذكر الماء في مواضع كثيرة منه ، ثم يذكر إحياء الأرض الميتة به ، كقوله تعالى : ( والله الذي يرسل الرياح فتثير سحاباً فسقناه إلى بلد ميت فأحيينا به الأرض بعد موتها كذلك النشور ) . فجعل الماء للأرض بمنزلة الروح للجسد .
ومن بديع الاستعارة قول بعضهم :
يا طودَ حلم ظَلْتُ معتصماً به . . . يا بحر علم عمتُ في تيّاره
فإن المناسبة بينها وبين ما استعيرت له شديدة جداً ، وذاك أن الحلم أصله في وضع اللغة : التأني والثبات ، وترك الاعجال بالعقوبة ، فلما كان الطود ثابت الأصل راسخ القواعد ، لا يتحرك عن مكانه ، ولا يزول من مستقره حسنت استعارته للحلم ، للمشابهة التي بينهما . وهاهنا نكتة أخرى ، وهو أن قوله : ( طود حلم ) أبلغ في الاستعارة من أن لو قال ( جبل حلم ) لأن الطود هو الجبل العظيم ، وذلك أرسخ وأرسى أصلاً من غيره . وأما استعارته للعلم بحراً فحسن لا خفاء به على من له معرفة بهذا الفن .
الجامع الكبير في صناعة المنظوم من الكلام والمنثور — صفحة 86
مساهمون: ضياء الدين بن الأثير الجزري الموصلي
ص٨٦