وأزرقي ليس بالقدير . . . من لد ما ظهر إلى سحير
حتى بدت لي جبهة القمير . . . لأربع خلون من شهير
ألا ترى هذا الشاعر ، كيف لزم التصغير في هذه الأبيات جميعها ؟ فإن ذلك من محاسن الصنعة فاعرفه .
واعلم أنا لا نبعث المؤلف على استعمال هذا القسم من الكلام حتى يجيء به متكلفاً وحشياً فيكون قد قصد جودة الصنعة وإظهار القدرة عليها ، والقوة فيها ، فيلقيه ذلك فيما يستكره من الألفاظ ، وتعافه الأسماع . وما مثل المتكلف لهذا الضرب من الكلام حتى يأتي به في صورة قبيحة ، إلا مثل الصائغ الذي يأخذ مصوغاً ردياً فيجيد فيه عمله ، ويخرج فيه بديع صنعته فيكون عند ذلك قد رعى الفرع ، وأهمل الأصل ، فتذهب جودة الصنعة فيه رداءة المصوغ .
وأما إذا أتى المؤلف بهذا الضرب من الكلام غير متكلف ولا وحشي كان له رونق وطلاوة ، وقد استعمل ذلك أبو العلا المعري في كتابه فأتى منه بشيء ينبو عنه الطبع كقوله في قافية التاء مع الخاء :
بِنتُ عن الدنيا ولا بنت لي . . . فيها ولا عرسٌ ولا أُختُ
وقد تحملتُ من الوزر ما . . . تعجز أن تحمله البُخت
إن مدحوني ساءني مدحهم . . . وخلت أني في الثرى سُخت
وقال في الخاء المضمومة مع الباء :
لا يفقدن خيركم مجانسكم . . . ولا تكونوا كأنكم سَبَخُ
الجامع الكبير في صناعة المنظوم من الكلام والمنثور — صفحة 267
مساهمون: ضياء الدين بن الأثير الجزري الموصلي
ص٢٦٧