تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الجامع الكبير في صناعة المنظوم من الكلام والمنثور — صفحة 264

مساهمون:

ص٢٦٤
القسم الثاني . فالقسم الأول كقول الحريري في مقاماته : ( فهو يَطْبَعُ الأسجاع بجواهر لفظه ، ( ويقرع الأسماع بزواجر وعظه ، فإنه جعل ألفاظ الفصل الأول ) مساوية للألفاظ الفصل الثاني وزناً وقافيةً ، فجعل ( يطبع ) بإزاء ( يقرع ) و ( الأسجاع ) بإزاء ( الأسماع ) و ( جواهر ) بإزاء ( زواجر ) و ( لفظه ) بإزاء ( وعظه ) ، وهذا هو الكلام السهل الممتنع الذي تخاله قريباً وهو بعيد المنال ، عسير الحصول . وقد ورد هذا القسم كثيراً في الخطب التي أنشأها الشيخ الخطيب عبد الرحيم ابن نباتة ، فمن ذلك قوله في أول خطبة : ( الحمد لله ، عاقد أزمة الأمور بعزائم ) ( أمره ) ، وحاصد أئمة الغرور بقواصم مكره ، وموفق عبيده لمغانم ذكره ، ومحقق مواعيده بلوازم شكره ) . ومن ذلك قوله في ذكر الزمان وتقلبه بأهله : ( أولئك الذين أفلوا فنجمتم ، ورحلوا فاقمتم ، وأبادهم الموت ، كما علمتم ، وأنتم الطامعون في البقاء بعدهم ، فيما زعمتم ، كلا والله ما أشخصوا لتقروا ، ولا نغصوا لتسروا ، ولا بد أن تمروا حيث مروا ، فلا تثقوا بخدع الدنية ، ولا تغتروا ) . ومن ذلك ما جاءنا فيبعض خطبه : ( أيها الناس ، أسيموا القلوب في رياض الحكم ، وأديموا النحيب على ابيضاض اللمم ، واطلبوا الاعتبار بانتقاض النعم ، وأجيلوا الأفكار في انقراض الأمم ) . وأمثال هذا في كلامه كثيرة ، وأما ما ورد على نحو ذلك نظماً ، فقول ذي الرُمّة : كحلاء في برَج صفراء في دَعَج . . . كأنها فضةٌ قد شابها ذهب