تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الجامع الكبير في صناعة المنظوم من الكلام والمنثور — صفحة 254

مساهمون:

ص٢٥٤
كذبوا بالحق لما جاءهم فهم في أمرٍ مريج ، أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها وزيناها وما لها من فروج ، والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل زوج بهيج ) . ألا ترى أن الفصل الأول تسع كلمات ، والفصل الثاني اثنتا عشرة لفظة ، والفصل الثالث إحدى عشرة لفظة ؟ ومن ذلك أيضاً قوله تعالى في سورة مريم : ( وقالوا اتخذ الرحمن ولدا لقد جئتم شيئاً إدّاً تكادُ السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هداً ، أن دَعوْا للرحمن ولدا ، وما ينبغي للرحمن أن يتخذَ ولدا ) . . . إلى قوله : ( . . . وتُنذِرَ به قوماً لُدّا ) وأمثال هذا في القرآن كثيرة ، فاعرفها : القسم الثالث : أن يكون الفصل الآخر أقصر من الأول وهو عيب عند أرباب هذه الصناعة فاحش . وسبب ذلك أن السمع يكون قد استوفى مدة من الفصل الأول بحكم طوله ، ثم يجيء الفصل الثاني قصيراً عن الأول ، فيكون كالشئ المبتور ، فيبقى الإنسان عند سماعه كمن يريد المضي إلى غايةٍ فيعثر دونها . وإن شك أحدٌ فيما أشرنا إليه من هذا المثال ، فليصنع فصلين من الكلام وليكن الأول منها أطول من الثاني ، ثم يعرضهما على نفسه ؛ فإنه يجد صحة ما ذكرناه . واعلم أن التصريع في الشعر بمنزلة السجع في الفصلين من الكلام المنثور ، وفائدته في الشعر أنه يفهم منه قبل كمال البيت الأول من القصيدة قافيتها ، وشبّه البيت المصرَّع بباب له مصرعان متشاكلان ، وقد فعل ذلك القدماء والمحدثون وفيه دلالة على سعة القدرة ، وفسحة المجال في أفانين الكلام . فأما إذا كَثُرَ التصريع في القصيدة فلست أراه مختاراً ، لأن هذه الأصناف من التصريع ،