تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الجامع الكبير في صناعة المنظوم من الكلام والمنثور — صفحة 206

مساهمون:

ص٢٠٦
من هذا النحو قوله تعالى ( كذبت قبلهم قومُ نوح وعادٌ وفرعون ذو الأوتاد ، وثمودُ وقومُ لوطٍ وأصحاب الأيْكَة أولئك الأحزابُ ، إنْ كُلٌ إلا كّذبَ الرُسلَ فحقَّ عقابي ) وإنما كرر تكذيبهم هاهنا لأنه لم يأت به على أسلوب واحد ، بل تنوع فيه بضروب من الصنعة فذكره أولاً في الجملة الخبرية على وجه الإبهام ، ثم جاء به بالجملة الاستثنائية ، فأوضحه بأن كل واحد من الأحزاب كذب جميع الرسل لأنهم إذا كذبوا واحداً منهم فقد كذبوا جميعهم . وفي تكرير التكذيب وإيضاحه بعد إبهامه ، والتنوع في تكريره بالجملة الخبرية أولاً وبالاستثنائية ثانياً ، وما في الاستثناء من الواضح علة جهة التأكيد والتخصيص من المبالغة المسجلة عليهم ، باستحقاق أشد العذاب في أبلغه ( من البيان ما لا خفاء فيه ) . وهذا باب من تكرير اللفظ والمعنى غامض ، وبه يعرف مواقع التكرير والفرق بينه وبين غيره ، فافهمه . الفرع الثاني من الضرب الأول إذا كان التكرير في اللفظ والمعنى يدل على معنى واحد والمراد به غرض واحد كقوله تعالى : ( والله الذي يرسل الرياح فتثير سحابا فيبسطه في السماء كيف يشاء ) إلى قوله : ( . . . لمبلسين ) فقوله ( من قبله ) بعد قوله ( من قبل ) فيه الدلالة على أن عهدهم بالمطر قد بعد وتطاول فاستحكم يأسهم ، وتمادى إبلاسهم ، فكان الاستبشار على قدر اهتمامهم . ومثل من قوله تعالى ( فكان عاقبتهما أنَّهما في النار خالدين فيها ) وكذلك قوله تعالى ( ولا تحْسَبنَّ الذين يفرَحون بما أتَوْا ويُحْمدوا بما لم يفعلوا ، فلا تحسبنهم