تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الجامع الكبير في صناعة المنظوم من الكلام والمنثور — صفحة 205

مساهمون:

ص٢٠٥
ومن هذا الباب قوله تعالى ( قل أني أمرتُ أنْ أعبد الله مخلصاً له الدين . . . ) إلى قوله ( فاتقون ) ألا ترى إلى هذا التكرير في قوله ( قل إني أمرت أن أعبد الله مخلصاً له الدين ) وقوله ( قل الله أعبد مخلصاً له ديني ) والمراد به غرضان مختلفان وذلك أن الأول إخبار بأنه مأمور من جهة الله عزَّ وجل بإحداث العبادة له والإخلاص في دينه . والثاني إخبار بأنه يخص الله وحده دون غيره بالعبادة ، مخلصاً له دينه ، ولدلالته على ذلك قدم المعبود على فعل العبادة في الثاني وأخره في الأول ؛ لأن الكلام أولاً واقع في الفعل نفسه وإيجاده ، وثانياً فيمن يفعل الفعل لأجله ، ولذلك رتب عليه ( فاعبدوا ما شئتم من دونه ) . ومما أورد على نحو من ذلك قوله تعالى : ( قل يا أيها الكافرون . . . ) إلى آخرها فقوله ( لا أعبد ) يعني في المستقبل لا تطلبوا مني عبادة إلهكم ، ولا أنتم فاعلون فيه ما أطلب منكم من عبادة إلهين . ( ولا أنا عابد ما عبدتم ) أي ( وما كنتُ قط عابداً فيما سلف ما عبدتم فيه ، يعني أنه لم يُعْهد في عبادة صنم في الجاهلية في وقت مّا ، فكيف يرجى ذلك في الإسلام ؟ ! ولا أنتم عابدون في الماضي في وقت مّا ما أنا على عبادته الآن ) . وأمثال هذا كثيرة فاعرفه . ومن هذا الجنس قوله تعالى : ( كَذَّبَتْ قومُ نوح المرسلين ، إذ قال لهم أخوهم نوح ألا تتقون ، إني لكم رسول أمين ، فاتقوا الله وأطيعوني ، وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين ، فاتقوا الله وأطيعوني ) فإنه إنما كرر قوله ( فاتقوا الله وأطيعوني ) ليؤكده عندهم وليقرره في نفوسهم مع تعليق كل واحد منهما بعلة ؛ فجعل علة الأول كونه أميناً فيما بينهم ، وجعل علة الثاني حسم طعمه عنهم وخلوّه من الأغراض فيما يدعوهم إليه .