النوع التاسع عشر من الباب الأول من الفن الثاني
في التكرير
وهو قسمان : أحدهما يوجد في اللفظ والمعنى ، والآخر يوجد في المعنى دون اللفظ فأما الذي يوجد في اللفظ والمعنى فكقولك لمن تستدعيه ( أسرِعْ أسرِع ) ومنه قول أبي الطيب المتنبي :
ولم أرَ مثر جِيْراني ومِثلي . . . لمثلي عند مثلهم مقام
وأما الذي يوجد في المعنى دون اللفظ فكقولك ( أطلعني ولا تعصني ) فإن الأمر بالطاعة نهي عن المعصية . وكل من هذين القسمين ينقسم إلى مفيد وغير ذلك . فالمفيد يأتي في الكلام تأكيداً له وتشييداً من أمره ، وإنما يفعل ذلك للدلالة على معظم محل الشيء ، الذي كررّت فيه كلامك ، والإشعار بفخامته شأنه وعلو قدره ، أو الدلالة على حقارته والإعلام بهوانه واتضاعه . وغير المفيد لا يأتي في الكلام
إلا عَبَثاً وخَطَلاً ، من غير حاجة إليه .
فأما الأول وهو الذي يوجد في اللفظ والمعنى ويدل على معنى فهو ضربان : مفيد وغير مفيد .
فالضرب الأول وهو المفيد فرعان :
الأول إذا كان التكرير في اللفظ والمعنى يدل على المعنى واحد المقصود به غرضان مختلفان كقوله تعالى ( وإذ يَعِدُكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم ، وتَوَدُّون أن غير ذات الشوكة تكون لكم ، ويُريد الله أن يُحِقَّ الحق بكلماته ويَقْطَعَ دابِرَ الكافرين ، ليُحِقَّ الحقَّ ويُبْطِلَ الباطلَ ولو كره المجرمون ) هذا تكرير في اللفظ ( وهو قوله ) ( يحق الحق وليحقَّ الحق ) وإنما جيء به هاهنا لاختلاف المراد ، وذلك أن الأول تمييز بين الإرادتين ، والثاني بيان لغرضه فيما فعل من اختيار ذات الشوكة على غيرها لهم ، ونصرتهم عليها ، وأنه ما نصرهم ولا خذل أولئك إلا لهذا الغرض .
الجامع الكبير في صناعة المنظوم من الكلام والمنثور — صفحة 204
مساهمون: ضياء الدين بن الأثير الجزري الموصلي
ص٢٠٤