وتقديره في بطن أمه وبين إخراجه منها وتسهيل سبيله مهلة وزماناً ، فلذلك عطفه ( بثم ) وعلى هذا جاء قوله تعالى ( ثم أماته فأقبره ) وقوله ( ثم إذا شاء أنشره ) لأن بين إخراجه من بطن أمه وبين موته تراخياً وفسحة ، وكذلك بين موته ونشوره أيضاً ، ولهذا عطفهما ( بثم ) . ولما لم يكن بين موت الإنسان وإقباره تراخ ولا مهلة عطفه بالفاء ، وأمثال هذا كثيرة ، فينبغي لمؤلف الكلام تديرها والإتيان بها في أما كنها .
واعلم أن في حروف العطف موضعاً تلتبس فيه الفاء بالواو ، وهو موضع يحتاج إلى فضل تأمل لأنه شديد الاشتباه والالتباس ؛ وذلك أن فعل المطاوعة لا يعطف عليه إلا بالفاء دون الواو ، وقد يجيء من الأفعال ما يلتبس بفعل المطاوعة ويعطي ظاهره أنه كذلك ، إلا أن معناه يكون مخالفاً لمعنى فعل المطاوعة ، فينعطف حينئذ بالواو لا بالفاء . وهذا موضع غامض يجب على المؤلف التحرز من الوقوع فيه ، فمن ذلك قوله تعالى : ( ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا ) فقوله تعالى ( أغفلنا قلبه ) هاهنا بمعنى صادفناه ( غافلاً ) ، لأنه لو كان كذلك لكان معطوفاً عليه بالفاء وقيل ( فاتبع هواه ) وذلك أنه يكون مطاوعاً وفعل المطاوعة إنما يكون معطوفاً بالفاء دون الواو كقولك ( أعطيته فأخذ ودعوته فأجاب ) ولا تقول ( أعطيته وأخذ ولا دعوته وأجاب ) كما لا تقول ( كسرته وانكسر ) وكذلك لو كان معنى ( أغفلنا ) في الآية ( صددنا ) و ( منعنا ) لكان معطوفاً بالفاء ، وكان يقال ( ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا فاتبع هواه ) فلما لم يكن كذلك وكان العطف عليه بالواو ؛ فطريقه أنه لما قال : ( أغفلنا قلبه عن ذكرنا فاتبع هواه أن يكون معناه ( وجدناه غافلاً ) وإذا وجد غافلاً فقد غفل لا محالة ، وكأنه قال ( ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا
الجامع الكبير في صناعة المنظوم من الكلام والمنثور — صفحة 202
مساهمون: ضياء الدين بن الأثير الجزري الموصلي
ص٢٠٢