تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الجامع الكبير في صناعة المنظوم من الكلام والمنثور — صفحة 174

مساهمون:

ص١٧٤
تعالى : ( وما تكون في شأن وما تتلو منه من قرآن ) فإنه لما أتى بالضمير ، الذي هو ( منه ) قبل صاحبه الذي هو القرآن ، كان ذلك تفخيماً له ، وتعظيماً من أمره . ولو قال : وما تكون في شأن وما تتلو من القرآن ، ولم يذكر الضمير لما كان للكلام تلك الفخامة التي كانت له مع ذكر الضمير ، وهذا مثل قولهم ( الكريم العالم الفاضل ) ثم يقال : فلان وقد سبق الكلام عليه ، فاعرف ذلك وقس عليه . وأما الإبهام من غير تفسير ، فكثير شائع في القرآن العزيز ، كقوله تعالى : ( إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ) فقوله : للتي هي أقوم أي الطريقة أو الحالة أو الملة هي أقومها وأسدها ، وأي ذلك قدرت لم تجد له مع الإفصاح ذوق البلاغة الذي تجده مع الإبهام ، وذلك لذهاب الوهم فيه كل مذهب ، وإيقاعه على محتملات كثيرة ، وهذا لا يخفى على العارف برموز صناعة التأليف فاعرفه . ومما يدخل في هذا الباب الاستثناء العددي وهو ضرب من التأليف لطيف المأخذ عجيب المغزى . وإنما يفعل ذلك طلباً للمبالغة ؛ لأن له تأثيراً شديداً في القلب ، وموقفاً عظيماً في النفس وفائدته ( أن ) أول ما يطرق سمع المخاطب ذكر العقد في العدد فيكبر موقع ذلك عنده ، وهو شبيه بما ذكرناه من الإبهام أولاً ثم التفسير بعده ثانياً ، فمن ذلك قوله تعالى : ( ولقد أرسلنا نوحاً إلى قومه فلبث فيهم سنة إلا خمسين عاماً ) فإنه إنما قيل ( ألف سنة إلا خمسين عاماً ) ولم يقل تسعمائة وخمسين عاماً لفائدة حسنة ، وهي ذكر ما ابتلى به نوح من أمته ، وما كابده من طول المصابرة ، ليكون ذلك تسلية لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - وتثبيتاً له ، فإن ذلك رأس العدد الذي هو منتهى العقود وأعظمها أوقع وأوصل إلى الغرض من استطالة السامع