مدة صبره وما لاقاه من قومه ، فاعرف ذلك وقس عليه .
النوع العاشر من الباب الأول من الفن الثاني
في التعقيب المصدري
وإنما يعمد إلى ذلك لضرب من التأكيد لما تقدمه ، والإشعار بتعظيم شأنه أو بالضد من ذلك ، فمثال الأول قوله تعالى ( ويوم ينفخ في الصور ، ففزع من في السماوات ومن في الأرض ) إلى قوله ( . . . وهم من فزع يومئذ آمنون ) و ( من جاء بالسيئة فكبت وجوههم في النار هل تجزون إلا ما كنتم تعملون ) . ( فصنع الله ) من المصادر المؤكدة لما قبلها ، كقوله ( وعْد الله ، وصبغة الله ) ، ألا ترى أنه لما جاء ذكر هذا الأمر العظيم ، الدال على القدرة الباهرة ، من النفخ في الصور ، وإحياء الأموات ، والفزع . وإحضار الناس للحساب ومسير الجبال كالسحاب في سرعتها ، وهي عند الرؤية لها والمشاهدة كأنها جامدة ، عقب ذلك أن قال ( صنع الله ) والمعنى أن هذا الأمر العجيب البديع صنع الله ، والمعنى ( ويوم ينفخ في الصور ، وكان كيت وكيت من الأشياء الباهرة ، وأثاب الله المحسنين ، وعاقب المجرمين )
فجعل هذا الصنع من جملة الأمور التي أتقنها وأتى بها على الحكمة والثواب ، حيث قال : ( صنع الله الذين أتقن كل شيء ) يعني أن مقابلة الحسنة بالثواب ، والسيئة بالعقاب من إحكامه للأشياء وإتقانه لها ، وإجرائه إياها على قضايا الحكمة ، أي إنه عالم بما تفعل العباد وبما يستوجبون عليه ، فيكافئهم على حسب أفعالهم ، ثم لخص ذلك بقوله تعالى : ( من جاء بالحسنة . . . ) إلى آخر الآيتين .
فانظر أيها المتأمل إلى بلاغة هذا الكلام وحسن نظمه وترتيبه ، ومكانه إضماره ، ورصانة تفسيره ، وأخذ بعضه برقاب بعض ، كأنما أفرغ إفراغاً واحداً . ولأمر ما أعجز القوي وأخرس
الجامع الكبير في صناعة المنظوم من الكلام والمنثور — صفحة 175
مساهمون: ضياء الدين بن الأثير الجزري الموصلي
ص١٧٥