تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الجامع الكبير في صناعة المنظوم من الكلام والمنثور — صفحة 172

مساهمون:

ص١٧٢
( الأول ) ، فاعرف ذلك . النوع التاسع من الباب الأول من الفن الثاني في التفسير بعد الإبهام يفعل ذلك لتفخيم المبهم وإعظامه ؛ لأنه هو الذي يطرق السمع أولا ، فيذهب السامع كل مذهب كقوله تعالى : ( وقضينا إليه ذلك الأمر أن دابر هؤلاء مقطوع مصبحين ) ففسر ( ذلك الأمر ) بقوله : ( دابر هؤلاء مقطوع ) . وفي إبهامه أولاً ، وتفسيره بعد ذلك تفخيم للأمر ، وتعظيم لشأنه ، فإنه لو قال تعالى : ( وقضينا إليه أن دابر هؤلاء مقطوع . . . ) لما كان بهذه المثابة من الفخامة ، فإن الإبهام أولاً يوقع السامع في حيرة وتفكّر ، واستعظام لما قرع سمعه ، وتشوق إلى معرفة كنهه ، والاطلاع على حقيقته . ومن هذا الباب قوله تعالى : ( اهدنا الصراط المستقيم ، صراط الذين أنعمت عليهم . . . ) ( فإنه إنما قال ذلك ، ولم يقل : اهدنا صراط الذين أنعمت عليهم ) لما في الأول من التنبيه ، والإشعار بأن الصراط المستقيم هو صراط المؤمن ، فدل عليه بأبلغ وجه ، كما تقول : ( هل أدلك على أكرم الناس وأفضلهم ! ؟ ) ثم تقول : ( فلان ) فيكون ذلك أبلغ في وصفقه بالكرم والفضل من قولك : ( هل أدلك على فلان الأكرم الأفضل ) لأنك تثبت ذكره مجملاً ومفصلاً ، فجعلته علماً في الكرم والفضل ، كأنك قلت : من أراد رجلاً جامعاً للخصلتين فعليه بفلان . وعلى نحو من هذا جاء قوله تعالى : ( وقال الذين آمن يا قوم اتبعوني أهدكم سبيل الرشاد