تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الجامع الكبير في صناعة المنظوم من الكلام والمنثور — صفحة 177

مساهمون:

ص١٧٧
إنما قدم العبادة على الاستعانة ؛ لأن تقديم القربة والوسيلة قبل طلب الحاجة أنجح لحصول المطلوب ، وأسرع لوقوع الإجابة . ولو قال : إياك نستعين ، وإياك نعبد ، لكان جائزاً ، إلا أنه لا يسد ذلك المسد ولا يقع ذلك الموقع ، وهذا لا يخفى على المنصف من أرباب هذه الصناعة . وعلى نحو من ذلك جاء قوله تعالى ( وأنزلنا من السماء ماء ظهوراً لنحيي به بلدة ميتا ، ونسقيه مما خلقنا أنعاماً ، وأناسي كثيرا ) . ألا ترى كيف قدم حياة الأرض وإسقاء الأنعام على إسقاء الناس ؟ وإن كان الناس أشرف محلاً وأعلى مكاناً . وسبب ذلك ما أذكره لك وهو أن حياة الأرض سبب لحياة الأنعام والناس . ولما كانت الأنعام أيضاً من أسباب التعيش والحياة للناس قدمها على الناس في الذكر ، ولأن حياة الناس بحياة أرضهم وأنعامهم ، فقدم ما هو سبب حياتهم وتعيشهم على سقيهم . فهذه نكت القرآن العجيبة ورموز أسراره اللطيفة التي إذا مر الإنسان عليها من غير أن يتدبرها ، ويعطيها أفضل تأمل وتفكر لا يقع على خباياها ، ولا يظفر بغرائبها . ومن هذا النوع تقديم الأكثر على الأقل ، كقوله تعالى ( تم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات ) فإنه إنما قدم الظالم لنفسه للإيذان بكثرته وأن معظم الخلق عليه ثم أتي بعده بالمتصدقين ؛ لأنهم قليل بالإضافة إليه ، وأخر السابقين بالخيرات ، إذ كانوا أقل من القليل أعني من المقتصدين ، فقدم الأكثر ثم جاء بعده ؛ بالأوسط ثم ذكر الأقل أخيراً ، وذلك لائق في بابه . ولو عكست القضية لكان المعنى أيضاً واقعاً في موقعه لأنه يكون قدم الأفضل فالأفضل ؛ وذاك أن السابقين بالخيرات أفضل من المقتصدين ، والمقتصدين أفضل من الظالمين ؛ ولنوضح في ذلك طريقاً يعرفه مؤلف
الجامع الكبير في صناعة المنظوم من الكلام والمنثور — صفحة 177 | ضياء الدين بن الأثير الجزري الموصلي / مصطفى جواد