تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الجامع الكبير في صناعة المنظوم من الكلام والمنثور — صفحة 109

مساهمون:

ص١٠٩
هذا بابه ، وسيأتي ذكره . اعلم إن التقديم والتأخير مما نحن يصدد ذكره هاهنا على ضربين ؛ أحدهما يكون التقديم هو الأولى والأبلغ لموضع الاختصاص ، والآخر يكون التأخير هو الأولى والأبلغ ؛ إما الفائدة تقتضي ذلك ، وإما خوفاً من فساد المعنى واختلاله . وسيرد كل ضرب من هذه الضروب ، مشروحاً مبينا . وإما الضرب الأول وهو ما كان التقديم فيه هو الأولى والأبلغ فذلك كتقديم المفعول على الفعل ، وتقديم المبتدأ عل الخير ، وتقديم الظرف أو الحال أو الاستثناء على العامل . فمن ذلك تقديم المفعول على الفعل ، وإنما تعمد إلى ذلك قصداً للاختصاص ، ألا ترى قولك ( زيداً ضربت ) تخصيصاً له بالضرب ، إذ يحتمل أن يكون الضرب لغيره ؛ لأنك إذا قدمت الفعل كنت بالخيار في إيقاعه على أي مفعول شئت كأن تقول ( ضربت خالدا أو بكرا أو غيرهما ) وإذا أخرته ، لزم الاختصاص للمفعول . وقد ورد في القرآن الكريم ، كقوله تعالى : ( الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون . فإنه إنما قدم المفعول ، الذي هو الرزق ، على الفعل الذي هو ينفقون ؛ لأن الإنسان قد ينفق ما ليس له . فلو قدم الفعل هاهنا على المفعول ، لسبق إلى الوهم قبل ذكر المنفق جواز كونه مما ليس له ، ومع تأخيره يزول هذا الوهم ، ويرتفع ذلك اللبس . ومن هذا النحو ، قوله تعالى : ( إياك نعبد وإياك نستعين ) فإن قوله : ( إياك نعبد ) تخصيص له بالعبادة ، دون غيره ، وكذا قوله : ( إياك نستعين ) وهذا بخلاف ما لو قال ( نعبدك ونستعينك ) فإنه يحتمل أن تكون العبادة والاستعانة لغيره كما أشرنا إليه ، في ( زيداً ضربت ) و ( ضربت زيداً ) فأعرف ذلك . وأما تقدير خبر المبتدأ عليه ، فإنه لا يعمد إليه أيضاً إلا لضرب من الاختصاص ، كقولك : ( زيد قائم ) و ( قائم زيد ) فقولك ( قائم زيد ) قد أثبت له القيام لا محالة ، وقولك : ( زيد