تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الجامع الكبير في صناعة المنظوم من الكلام والمنثور — صفحة 108

مساهمون:

ص١٠٨
موقع الجماعة ، كقول الشاعر : ( ترى جوانبها بالشحم مفتونا ) والحمل على المعنى واسع في هذه اللغة . وأعلم أن العرب إذا حملت على المعنى ، لم تكد تراجع اللفظ ، كقولك : ( شكرت من أحسنوا إلي على فعله ) ويقال : ( شابت مفارقه ) وإنما هو مفرق واحد . ومما يؤكد عندك أن العرب إذا حملت على المعنى لم تراجع اللفظ ، قوله تعالى : ( ألم تر إلى الذين حاجّ إبراهيم في ربه أن آتاه الله المُلكَ إذ قال إبراهيم : ربّي الذي يُحْيي ويميت . قال : أنا أُحيي وأُميت ، قال إبراهيم : فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب . فبهت الذي كفر والله لا يهدي القوم الظالمين ) ثم قال : ( أو كالذي مَرَّ على قرية وهي خاوية على عروشها قال أنى يحيي هذه الله بعد موتها ) الآية فإن ذلك محمول على المعنى ، كأنه قال : أرأيت الذي حاج إبراهيم في ربه ، أو كالذي مر على قرية فجاء بالثاني على أن الأول قد سبق كذلك ، وأمثال هذا كثيرة . وأما حمل الجماعة على الواحدة ، فكقوله تعالى ( بلى من أسلم وجهه لله ، وهو مُحسن ، فله أجره عند ربِّه ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون فحمل أول الكلام على لفظ الواحد ، وآخره على لفظ الجمع . واعلم أن العرب تعتبر تارة اللفظ ، وتارة المعنى ، يقولون : ( ثلاثة أشخص ) فيثبتون التاء وإن عنواً مؤنثاً ، ويقولون : ( ثلاث أنفس ) وإن عنوا رجالاً ، لأجل اللفظ . ويقولون : ( ثلاث شخوص ) إذا عنو مؤنثاً ، ( وثلاثة أنفس ) إذا عنوا مذكراً للمعنى فاعرف ذلك وقس عليه . القسم الخامس من النوع الثالث في التقديم والتأخير وذلك مما يتعلق بعلم النحو ، فإن لنا تقديماً وتأخيراً في الكلام ، ولا يتعلق بالنحو ، وليس
الجامع الكبير في صناعة المنظوم من الكلام والمنثور — صفحة 108 | ضياء الدين بن الأثير الجزري الموصلي / مصطفى جواد