تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الجامع الكبير في صناعة المنظوم من الكلام والمنثور — صفحة 104

مساهمون:

ص١٠٤
وأفخر شأناً . لأن الفعل الماضي يعطي من المعنى إنه قد كان وجد وصار من الأمور المقطوع بها ، المحكوم بكونها وحدوثها . والفرق بينه وبين الأخبار بالفعل المضارع عن الماضي ، هو أن الفعل الماضي يخبر به عن المضارع ، إذا كان المضارع من الأشياء الهائلة ، التي لم توجد ، والأمور المتعاظمة التي لم تحدث ، فيجعل عند ذلك مما قد كان ووجد ، ووقع الفراغ من كونه وحدوثه . وأما الفعل المضارع إذا أخبر به عن الماضي ، فإن الغرض بذلك تبين هيئة الفعل ، واستحضار صورته ، ليكون السامع كأنه يعاينها ويشاهدها . فهذا هو الفرق بين الأخبار بالفعل المضارع عن الماضي ( وبالمضارع عن الماضي ) فاعرفه . ولنرجع إلى ما نحن بصدد : كره من الأمثلة للأخبار بالفعل الماضي عن المضارع ، فمن ذلك قوله تعالى : ( ويوم ينفخ في الصور ففزع من في السماوات ومن في الأرض إلا ما شاء الله وكل أنوه داخرين ) فإنه إنما قال : ( ففزع ) بلفظ الماضي بعد قوله ( ينفخ ) وهو للمستقبل ، للأشعار بتحقيق الفزع وثبوته وأنه كائن لا محالة ، واقع على أهل السماوات والأرض ، لأن الفعل الماضي يدل على وجود الفعل ، وكونه مقطوعاً به . ومن هذا الجنس قوله تعالى ( وبرزوا الله جميعاً ) ( فبرزوا ) بمعنى يبرزون يوم القيامة ، وإنما جيء بلفظ الماضي ، لأن ما أخبر الله به لصدقه وصحته كأنه قد كان ووجد . ومثل ذلك قوله - عز اسمه - ( أتى أمر الله فلا تستعجلوه ) فإن ( أتى ) هاهنا بمعنى ( يأتي ) وإنما حسن فيه لفظ الماضي ، لصدق إتيان الأمر ودخوله في جملة ما لا بد من حدوثه ووقوعه ، فصار ( يأتي ) بمنزلة قد أتى ومضى ، وكذلك قوله - تعالى - ( ويوم نسير الجبال وترى الأرض بارزة ، وحشرناهم فلم نغادر منهم أحداً ) فإنه إنما قال ( وحشرناهم ) ماضياً بعد ( نسير ) ( وترى ) وهما مستقبلان للدلالة على أن حشرهم قبل التسيير والبروز ، ليعانوا
الجامع الكبير في صناعة المنظوم من الكلام والمنثور — صفحة 104 | ضياء الدين بن الأثير الجزري الموصلي / مصطفى جواد