تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفلاكة والمفلوكون — صفحة 74

مساهمون:

ص٧٤
وغلب على المأمون حتى لم يتقدمه أحد عنده من الناس جميعاً ، وكانت كتب يحيى في الفقه أجل كتب وتركها الناس لطولها ، وكان له كتب في الأصول أيضا ، وكان من أدهى الناس وأخبرهم بالأمور كان إذا رأى فقيهاً سأله عن الحديث أو محدثاً سأله عن النحو أو نحوياً سأله عن الكلام فيخجله ويقطعه . كان ابن زيدان الكاتب يكتب بين يدي يحيى ابن اكتم وكان غلاماً متناهي الجمال ، فقرص القاضي خده فخجل الغلام واستحيا وطرح القلم من يده ، فقال له : خذ القلم واكتب فأملاه : أبا قمراً خمشته فتغضبا . . . وأصبح لي من تيهه متجنبا إذا كنت للتخميش والعض كارهاً . . . فكن أبداً يا سيدي متنقبا ولا تظهر الأصداغ للناس فتنة . . . وتجعل منها فوق خديك عقربا فتقتل مسكيناً وتفتن ناسكاً . . . وتترك قاضي المسلمين معذباً ولما تواتر النقل عن يحيى إلى المأمون في هذا المعنى أراد امتحانه ، فأغرى به مملوكاً في غاية الجمال وذهب إلى الخلاء ثم تجسس عليه فسمعه يقول له : لولا أنتم لكنا مؤمنين ، فدخل المأمون وهو ينشد بيتي ابن حكيمة راشد بن إسحاق الكاتب : وكنا نرجي أن نرى العدل ظاهراً . . . فأعقبنا بعد الرجاء قنوط متى تصلح الدنيا ويصلح أهلها . . . وقاضي قضاة المسلمين يلوط ذكر ذلك كله ابن خلكان في تاريخه ، وذكرى الحصري في كتابه الذي سماه زهر الآداب وتحامل عليه في هذا المعنى بما لا يليق ذكره وذكر ولوع الشعراء به ، ومما أنشده فيه قول الشاعر : يا ليت يحيى لم تلده اكتمه . . . ولا وطت ارض العراق قدمه ألوط قاضي في الأنام نعلمه . . . أي دواة لم يلقها قدمه وأي حجر لم يلجه أرقمه توفي سنة 242 . محمد بن علي ابن يوسف بن هود الشيخ الزاهد الكبير بدر الدين أبو علي بن هود