يرى الْقَلِيل كثيرا ، وَمن أذن إمعة يرى كل مَا أنهى إِلَيْهِ الْمُدعى حَقًا ، وَمن متمنع كؤود يظنّ بِالنَّاسِ ظنونا فَاسِدَة ، وَلَا يُمكن الِاسْتِقْصَاء ، فإنه كالتكليف بالمحال ، فَيجب أَن تكون الْأُصُول مضبوطة ، فان اخْتلَافهمْ فِي الْفُرُوع أخف من اخْتلَافهمْ فِي الْأُصُول .
وَمِنْهَا أَن القوانين إِذا كَانَت ناشئة من الشَّرْع كَانَت بِمَنْزِلَة الصَّلَاة وَالصِّيَام فِي كَونهَا قربَة إِلَى الْحق ، وَالسّنة تذكر الْحق عِنْد الْقَوْم ، وَبِالْجُمْلَةِ فَلَا يُمكن أَن يُفَوض الْأَمر بِالْكُلِّيَّةِ إِلَى أولي أنفس شهوية أَو سبعية ، وَلَا يُمكن معرفَة الْعِصْمَة وَالْحِفْظ عَن الْجَوَاز فِي الْخُلَفَاء والمصالح الَّتِي ذَكرنَاهَا فِي التشريع وَضبط الْمَقَادِير كلهَا متأتيه هَهُنَا ، وَالله أعلم .
( الْخلَافَة )
اعْلَم أَنه يشْتَرط فِي الْخَلِيفَة أَن يكون عَاقِلا بَالغا حرا ذكرا شجاعا ذَا رَأْي وَسمع وبصر ونطق ، وَمِمَّنْ سلم النَّاس شرفه وَشرف قومه ، وَلَا يستنكفون عَن طَاعَته ، قد عرف مِنْهُ أَنه يتبع الْحق فِي سياسة الْمَدِينَة ، هَذَا كُله يدل عَلَيْهِ الْعقل ، وَاجْتمعت أُمَم بني آدم على تبَاعد بلدانهم وَاخْتِلَاف أديانهم على اشْتِرَاطهَا ، وَلما رَأَوْا أَن هَذِه الْأُمُور لَا تتمّ الْمصلحَة الْمَقْصُودَة من نصب الْخَلِيفَة إِلَّا بهَا ، وَإِذا وَقع شَيْء من إهمال هَذِه رَأَوْهُ خلاف مَا يَنْبَغِي ، وَكَرِهَهُ قُلُوبهم ، وسكتوا على غيظ ، وَهُوَ قَوْله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي فَارس لما ولوا عَلَيْهِ امْرَأَة . " لن يفلح قوم ولوا عَلَيْهِم امْرَأَة " .
والمملة المصطفوية اعْتبرت فِي خلَافَة النُّبُوَّة أمورا أُخْرَى :
مِنْهَا الْإِسْلَام ، وَالْعلم ، وَالْعَدَالَة ، وَذَلِكَ لِأَن الْمصَالح الملية لَا تتمّ بِدُونِهَا ضَرُورَة اجْمَعْ الْمُسلمُونَ عَلَيْهِ ، وَالْأَصْل فِي ذَلِك قَوْله تَعَالَى :
{ وعد الله الَّذين آمنُوا مِنْكُم وَعمِلُوا الصَّالِحَات ليَستَخْلِفنهم فِي الأَرْض كَمَا اسْتخْلف الَّذين من قبلهم } إِلَى قَوْله تَعَالَى : { فَأُولَئِك هم الْفَاسِقُونَ } .
وَمِنْهَا كَونه من قُرَيْش ، قَالَ النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
" الْأَئِمَّة من قُرَيْش "
حجة الله البالغة — صفحة 230
مساهمون: ولى الله احمد بن عبد الرحيم الدهلوي ( الشاه ولي الله الدهلوي )
ص٢٣٠