تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حجة الله البالغة — صفحة 229

مساهمون:

ص٢٢٩
( من أَبْوَاب سياسة المدن ) اعْلَم أَنه يجب أَن يكون فِي جمَاعَة الْمُسلمين خَليفَة لمصَالح لَا تتمّ إِلَّا بِوُجُودِهِ ، وَهِي كَثِيرَة جدا يجمعها صنفان : أَحدهمَا مَا يرجع إِلَى سياسة الْمَدِينَة من ذب الْجنُود الَّتِي تغزوهم وتقهرهم ، وكف الظَّالِم عَن الْمَظْلُوم ، وَفصل القضايا ، وَغير ذَلِك ، وَقد شرحنا هَذِه الْحَاجَات من قبل . وَثَانِيهمَا مَا يرجع إِلَى الْملَّة ، وَذَلِكَ أَن تنويه دين الْإِسْلَام على سَائِر الْأَدْيَان لَا يتَصَوَّر إِلَّا بِأَن يكون فِي الْمُسلمين خَليفَة يُنكر على من خرج من الْملَّة ، وارتكب مَا نصت على تَحْرِيمه أَو ترك مَا نصت على افتراضه أَشد الانكار ، ويذل أهل سَائِر الْأَدْيَان وَيَأْخُذ مِنْهُم الْجِزْيَة عَن يَد وهم صاغرون ، وَإِلَّا كَانُوا متساوين فِي الْمرتبَة لَا يظْهر فيهم رُجْحَان إِحْدَى الفزقتين على الْأُخْرَى ، وَلم يكن كابح يكبحم عَن عدوانهم . وَالنَّبِيّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جمع تِلْكَ الْحَاجَات فِي أَبْوَاب أَرْبَعَة : بَاب الْمَظَالِم . وَبَاب الْحُدُود . وَبَاب الْقَضَاء . وَبَاب الْجِهَاد ، ثمَّ وَقعت الْحَاجة إِلَى ضبط كليات هَذِه الْأَبْوَاب وَترك الجزئيات إِلَى رأى الْأَئِمَّة ووصيتهم بالمجاعة " خيرا ، وَذَلِكَ لوجوه : مِنْهَا أَن مُتَوَلِّي الْخلَافَة كثيرا مَا يكون جائرا ظَالِما يتبع هَوَاهُ ، وَلَا يئبع الْحق ، فيفسدهم ، وَتَكون مفسدته عَلَيْهِم أَشد مِمَّا يُرْجَى من مصلحتهم ، ويحتج فِيمَا يفعل أَنه تَابع للحق ، وَأَنه رأى الْمصلحَة فِي ذَلِك ، فَلَا بُد من كليات يُنكر على من خالفها ، ويؤاخذ بهَا ، وَيرجع احتجاجهم عَلَيْهَا إِلَيْهَا . وَمِنْهَا أَن الْخَلِيفَة يجب أَن يصحح على النَّاس ظلم الظَّالِم ، وَأَن الْعقُوبَة لَيست زَائِدَة على قدر الْحَاجة ، ويصحح فِي فصل القضايا أَنه قضى بِالْحَقِّ ، وَإِلَّا كَانَ سَببا لاختلافهم عَلَيْهِ ، وَأَن يجد الَّذِي كَانَ الضَّرَر عَلَيْهِ وأوليائه فِي أنفسهم وحرا رَاجعا إِلَى غدر ، ويضمروا عَلَيْهِ حقدا يرَوْنَ فِيهِ أَن الْحق بِأَيْدِيهِم وَذَلِكَ مفْسدَة شَدِيدَة . وَمِنْهَا أَن كثيرا من النَّاس لَا يدركون مَا هُوَ الْحق فِي سياسة الْمَدِينَة ، فيجتهدون ، فيخطئون يَمِينا وَشمَالًا ، فَمن صلب شَدِيد يرى الْبَالِغ فِي المزجرة قَلِيلا ، وَمن سهل لين