تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حجة الله البالغة — صفحة 166

مساهمون:

ص١٦٦
وتفصيل ذَلِك أَنه لَا بُد من التعيش بقوت مَا من الأقوات ، والتمسك بِنَقْد مَا من النُّقُود ، وَالْحَاجة إِلَى الأقوات جَمِيعهَا وَاحِدَة ، وَالْحَاجة إِلَى النُّقُود جَمِيعهَا وَاحِدَة ، ومبادلة إِحْدَى القبيلتين بِالْأُخْرَى من أصُول الارتفاقات الَّتِي لَا بُد للنَّاس مِنْهَا ، وَلَا ضَرُورَة فِي مُبَادلَة شَيْء بِشَيْء يَكْفِي كِفَايَته ، وَمَعَ ذَلِك ، فَأوجب اخْتِلَاف أمزجتهم وعاداتهم أَن تَتَفَاوَت مَرَاتِبهمْ فِي التعيش ، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى : { نَحن قسمنا بَينهم معيشتهم فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا ورفعنا بَعضهم فَوق بعض دَرَجَات ليتَّخذ بَعضهم بَعْضًا سخريا } . فَيكون مِنْهُم من يَأْكُل الْأرز وَالْحِنْطَة ، وَمِنْهُم من يَأْكُل الشّعير والذرة ، وَيكون مِنْهُم من يتحلى بِالْفِضَّةِ . وَأما تميز النَّاس فِيمَا بَينهم بأقسام الْأرز وَالْحِنْطَة مثلا وَاعْتِبَار فضل بَعْضهَا على بعض ، وَكَذَلِكَ اعْتِبَار الصناعات الدقيقة فِي الذَّهَب وطبقات عياره ، فَمن عَادَة المسرفين والأعاجم ، والامعان فِي ذَلِك تعمق فِي الدُّنْيَا ، فالمصلحة حاكمة بسد هَذَا الْبَاب ، وتفطن الْفُقَهَاء أَن الرِّبَا الْمحرم يجْرِي فِي غير الْأَعْيَان السِّتَّة الْمَنْصُوص عَلَيْهَا ، وَأَن الحكم مُتَعَدٍّ مِنْهَا إِلَى كل مُلْحق بِشَيْء مِنْهَا ، ثمَّ اخْتلفُوا فِي الْعلَّة . والأوفق بقوانين الشَّرْع أَن تكون فِي النَّقْدَيْنِ الثمينة ، وتختص بهما ، وَفِي الْأَرْبَعَة المقتات المدخر ، وَأَن الْملح لَا يُقَاس عَلَيْهِ الدَّوَاء والتوابل لِأَن للطعام إِلَيْهِ حَاجَة لَيست إِلَى غَيره ، وَلَا عشر تِلْكَ الْحَاجة ، فَهُوَ جُزْء مقوت وبمنزلة نَفسه دون سَائِر الْأَشْيَاء ، وَإِنَّمَا ذَهَبْنَا إِلَى ذَلِك لِأَن الشَّرْع اعْتبر الثمينة فِي كثير من الاحكام كوجوب التَّقَابُض فِي الْمجْلس ، ولان الحَدِيث ورد بِلَفْظ الطَّعَام ، وَالطَّعَام يُطلق فِي الْعرف على مَعْنيين : أَحدهمَا الْبر وَلَيْسَ بِمُرَاد ، وَالثَّانِي المقتات المدخر ، وَلذَلِك يَجْعَل قسيما للفاكهة والتوابل ، وَإِنَّمَا أوجب التَّقَابُض فِي الْمجْلس لمعنيين ، أحمدهما الطَّعَام والنقد الْحَاجة إِلَيْهِمَا أَشد الْحَاجَات وأكثرهما وقوعا ، وَالِانْتِفَاع بهما لَا يتَحَقَّق إِلَّا بالإفناء والإخراج من الْملك ، وَرُبمَا ظَهرت خُصُومَة عِنْد الْقَبْض وَيكون الْبَدَل قد فنى ، وَذَلِكَ أقبح المناقشة ، فَوَجَبَ أَن يسد هَذَا الْبَاب بألا يَتَفَرَّقَا إِلَّا عَن قبض ، وَلَا يبْقى بَينهمَا شَيْء ، وَقد اعْتبر الشَّرْع هَذِه الْعلَّة فِي النَّهْي عَن بيع الطَّعَام قبل أَن يسْتَوْفى ، وَحَيْثُ قَالَ فِي اقْتِضَاء الذَّهَب من الْوَرق : " مَا لم تتفرقا وبينكما شَيْء " ، وَالثَّانِي إِنَّه إِذا كَانَ النَّقْد فِي جَانب وَالطَّعَام أَو غَيره فِي جَانب ، فالنقد وَسِيلَة لطلب الشَّيْء كَمَا هُوَ مُقْتَضى النقدية ، فَكَانَ حَقِيقا بِأَن يبْذل قبل الشَّيْء ، وَإِذا