تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حجة الله البالغة — صفحة 163

مساهمون:

ص١٦٣
وَفِيمَا يعرف بِهِ رضَا الْعَاقِدين أَن يكون أمرا وَاضحا يُؤَاخذ بِهِ على عُيُون النَّاس ، وَلَا يَسْتَطِيع أَن يَحِيف إِلَّا بِحجَّة عَلَيْهِ ، وأوضح الْأَشْيَاء فِي مثل ذَلِك الْعبارَة بِاللِّسَانِ ، ثمَّ التعاطي بِوَجْه لَا يبْقى فِيهِ ريب . قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " الْمُتَبَايعَانِ كل وَاحِد مِنْهُمَا بِالْخِيَارِ على صَاحبه مَا لم يَتَفَرَّقَا إِلَّا بيع الْخِيَار " أَقُول اعْلَم أَنه لَا بُد من قَاطع يُمَيّز حق كل وَاحِد من صَاحبه ، وَيرْفَع خيارهما فِي رد البيع ، وَلَوْلَا ذَلِك لأضر أَحدهمَا بِصَاحِبِهِ ، ولتوقف كل عَن التَّصَرُّف فِيمَا بِيَدِهِ خوفًا أَن يستقيلها الآخر ، وَهَهُنَا شَيْء آخر ، وَهُوَ اللَّفْظ الْمعبر عَن رضَا الْعَاقِدين بِالْعقدِ وعزمهما عَلَيْهِ ، وَلَا جَائِز أَن يَجْعَل الْقَاطِع ذَلِك لِأَن مثل هَذِه الْأَلْفَاظ يسْتَعْمل عِنْد التراوض والمساومة ، إِذْ لَا يُمكن أَن يتراوضا إِلَّا بِإِظْهَار الْجَزْم بِهَذَا الْقدر ، وَأَيْضًا فلسان الْعَامَّة فِي مثل هَذَا تِمْثَال الرَّغْبَة من قُلُوبهم ، وَالْفرق بَين لفظ دون لفظ حرج عَظِيم ، وَكَذَلِكَ التعاطي فَإِنَّهُ لَا بُد لكل وَاحِد أَن يَأْخُذ مَا يَطْلُبهُ على أَنه يَشْتَرِيهِ ، لينْظر فِيهِ ، ويتأمله ، وَالْفرق بَين أَخذ وَأخذ غير يسير ، وَلَا جَائِز أَن يكون الْقَاطِع شَيْئا غير ظَاهر ، وَلَا أَجَلًا بَعيدا يَوْمًا فَمَا فَوْقه ؛ إِذْ كثير من السّلع إِنَّمَا يطْلب ، لينْتَفع بِهِ فِي يَوْمه ، فَوَجَبَ أَن يَجْعَل ذَلِك التَّفَرُّق من مجْلِس العقد ، لِأَن الْعَادة جَارِيَة بِأَن الْعَاقِدين يَجْتَمِعَانِ للْعقد ، ويتفرقان بعد تَمَامه ، وَلَو تفحصت طَبَقَات النَّاس من الْعَرَب والعجم رَأَيْت أَكْثَرهم يرَوْنَ رد البيع بعد التَّفَرُّق جورا وظلما ، لَا قبله ، اللَّهُمَّ إِلَّا من غير فطرته ، وَكَذَلِكَ الشَّرَائِع الإلهية لَا تنزل إِلَّا بِمَا تقبله نفوس الْعَامَّة قبولا أوليا ، وَلما كَانَ من النَّاس من يتسلل بعد العقد يرى أَنه قد ربح ، وَيكرهُ أَن يستقيله صَاحبه ، وَفِي ذَلِك قلب الْمَوْضُوع - سجل النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النَّهْي عَن ذَلِك فَقَالَ : " وَلَا يحل لَهُ أَن يُفَارق صَاحبه خشيَة أَن يستقيله ، فوظيفتهما أَن يَكُونَا على رسلهما ، ويتفرق كل وَاحِد على عين صَاحبه . وَاعْلَم أَنه إِذا اجْتمع عشرَة آلَاف إِنْسَان مثلا فِي بَلْدَة فالسياسة المدنية تبحث عَن مكاسبهم ، فَإِنَّهُم إِن كَانَ أَكْثَرهم مكتسبين بالصناعات وسياسة الْبَلدة ، والقليل مِنْهُم مكتسبين بالرعي والزراعة فسد حَالهم فِي الدُّنْيَا ، وَإِن تكسبوا بعصارة الْخمر وصناعة الْأَصْنَام كَانَ ترغيبا للنَّاس فِي اسْتِعْمَالهَا على الْوَجْه الَّذِي شاع بَينهم فَكَانَ سَببا لهلاكهم فِي الدّين ، فان وزعت المكاسب وأصحابها على الْوَجْه الْمَعْرُوف الَّذِي تعطيه الْحِكْمَة ، وَقبض على أَيدي المتكسبين بالاكساب القبيحة صلح حَالهم . وَكَذَلِكَ من مفاسد المدن أَن ترغب عظماؤهم فِي دقائق الْحلِيّ واللباس وَالْبناء