تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حجة الله البالغة — صفحة 165

مساهمون:

ص١٦٥
عَظِيمَة وخصومات مستطيرة ، وَإِذا جرى الرَّسْم باستنماء المَال بِهَذَا الْوَجْه أفْضى إِلَى ترك الزراعات والصناعات الَّتِي هِيَ أصُول المكاسب ، وَلَا شَيْء فِي الْعُقُود أَشد تدقيقا واعتناء بِالْقَلِيلِ وخصومة من الرِّبَا ، وَهَذَانِ الكسبان بِمَنْزِلَة السكر مناقضان لأصل مَا شرع الله لِعِبَادِهِ من المكاسب ، وَفِيهِمَا قبح ومناقشة ، وَالْأَمر فِي مثل ذَلِك إِلَى الشَّارِع ، إِمَّا أَن يضْرب لَهُ حدا يرخص فِيمَا دونه ويغلظ النَّهْي عَمَّا فَوْقه أَو يصد عَنهُ رَأْسا . وَكَانَ الميسر والربا شائعين فِي الْعَرَب ، وَكَانَ قد حدث بسببهما مناقشات عَظِيمَة لَا انْتِهَاء لَهَا ومحاربات ، وَكَانَ قليلهما يدعوا إِلَى كثيرهما ، فَلم يكن أصوب وَلَا أَحَق من أَن يُرَاعى حكم الْقبْح وَالْفساد موفرا ، فينهى عَنْهُمَا بِالْكُلِّيَّةِ . وَاعْلَم أَن الرِّبَا على الْوَجْهَيْنِ : حَقِيقِيّ . ومحمول عَلَيْهِ . أما الْحَقِيقِيّ فَهُوَ فِي الدُّيُون ، وَقد ذكرنَا أَن فِيهِ قلبا لموضوع الْمُعَامَلَات ، وَأَن النَّاس كَانُوا منهمكين فِيهِ فِي الْجَاهِلِيَّة أشد انهماك ، وَكَانَ حدث لأَجله محاربات مستطيرة ، وَكَانَ قَلِيله يدعوا إِلَى كَثِيره ، فَوَجَبَ أَن يسد بَابه بِالْكُلِّيَّةِ ، وَلذَلِك نزل فِي الْقُرْآن فِي شَأْنه مَا نزل . وَالثَّانِي رَبًّا الْفضل ، وَالْأَصْل فِيهِ الحَدِيث المستفيض " الذَّهَب بِالذَّهَب . وَالْفِضَّة بِالْفِضَّةِ . وَالْبر بِالْبرِّ . وَالشعِير بِالشَّعِيرِ . وَالتَّمْر بالنمر . وَالْملح بالملح ، مثلا بِمثل ، وَسَوَاء بِسَوَاء يدا بيد ، فَإِذا اخْتلفت هَذِه الْأَصْنَاف ، فبيعوا كَيفَ شِئْتُم إِذا كَانَ يدا بيد " وَهُوَ مُسَمّى بربا تَغْلِيظًا وتشبيها لَهُ بالربا الْحَقِيقِيّ على حد قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام : " المنجم كَاهِن " وَبِه يفهم معنى قَوْله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لَا رَبًّا إِلَّا فِي النَّسِيئَة " ثمَّ كثر فِي الشَّرْع اسْتِعْمَال الرِّبَا فِي هَذَا الْمَعْنى حَتَّى صَار حَقِيقَة شَرْعِيَّة فِيهِ أَيْضا وَالله أعلم . وسر التَّحْرِيم أَن الله تَعَالَى يكره الرَّفَاهِيَة الْبَالِغَة كالحرير والارتفاقات المحوجة إِلَى الإمعان فِي طلب الدُّنْيَا كآنية الذَّهَب الْفضة ، وحلي غير مقطع من الذَّهَب وكالسوار والخلخال والطوق والتدقيق فِي الْمَعيشَة والتعمق فِيهَا لِأَن ذَلِك مُرَاد لَهُم فِي أَسْفَل السافلين صَارف لأفكارهم إِلَى ألوان مظْلمَة ، وَحَقِيقَة الرَّفَاهِيَة طلب الْجيد من كل ارتفاق ، والاعراض عَن رديئه ، والرفاهية الْبَالِغَة اعْتِبَار الْجَوْدَة والرداءة فِي الْجِنْس الْوَاحِد .
حجة الله البالغة — صفحة 165 | ولى الله احمد بن عبد الرحيم الدهلوي ( الشاه ولي الله الدهلوي ) / السيد سابق