أَنه لما انفرز كل ملك بمدينته ، وجبى إِلَيْهِ الْأَمْوَال ، وانظم إِلَيْهِ الْأَبْطَال ، وداخلهم الشُّح والحرص والحقد ، تشاجروا فِيمَا بَينهم ، وتقاتلوا ، فاضطروا إِلَى إِقَامَة الْخَلِيفَة ، أَو الانقياد لمن تسلط عَلَيْهِم تسلط الْخلَافَة الْكُبْرَى ، وأعني بالخليفة من يحصل لَهُ من الشَّوْكَة مَا يرى مَعَه ، كالممتنع أَن يسلبه رجل آخر ملكه ، اللَّهُمَّ إِلَّا بعد اجتماعات كَثِيرَة ، وبذل أَمْوَال خطيرة لَا يتَمَكَّن مِنْهَا إِلَّا وَاحِد فِي الْقُرُون المتطاولة ، وَيخْتَلف الْخَلِيفَة باخْتلَاف الْأَشْخَاص والعادات ، وَأي أمة طبائعها أَشد وَأحد ، فَهِيَ أحْوج إِلَى الْمُلُوك وَالْخُلَفَاء مِمَّن هِيَ دونهمَا فِي الشُّح والشحناء ، وَنحن نُرِيد أَن ننبهك على أصُول هَذِه الارتفاقات وفهارس أَبْوَابهَا ، كَمَا أوجبه عقول الْأُمَم الصَّالِحَة ذَوي الْأَخْلَاق الفاضلة ، واتخذوه سنة مسلمة لَا يخْتَلف فِيهَا أقاصيهم ، وَلَا أذانيهم ، فاستمع لما يُتْلَى عَلَيْك .
( بَاب الارتفاق الأول )
مِنْهُ اللُّغَة المعبرة عَمَّا فِي ضمير الْإِنْسَان ، وَالْأَصْل فِي ذَلِك أَفعَال وهيئات وأجسام تلابس صَوتا مَا بالمجاورة أَو التَّسَبُّب أَو غَيرهمَا ، فيحكى ذَلِك الصَّوْت كَمَا هُوَ ، ثمَّ يتَصَرَّف فِيهِ باشتقاق الصِّيَغ بِإِزَاءِ اخْتِلَاف الْمعَانِي ، وَيُشبه أُمُور مُؤثرَة فِي الْأَبْصَار ، أَو محدثة لهيآت وجدانية فِي النَّفس ، بالقسم الأول ، ويتكلف لَهُ صَوت كمثله ، ثمَّ اتسعت اللُّغَات بالتجوز لمشابهة أَو مجاورة وَالنَّقْل لعلاقة مَا
وهنالك أصُول أُخْرَى ستجدها فِي بعض كلامنا ، وَمِنْه الزَّرْع وَالْغَرْس وحفر الْآبَار وَكَيْفِيَّة الطَّبْخ والائتدام ، وَمِنْه اصطناع الْأَوَانِي والقرب ، وَمِنْه تسخير الْبَهَائِم واقتناؤها ليستعان بظهورها ولحومها وجلودها وَأَشْعَارهَا وأوبارها وَأَلْبَانهَا وَأَوْلَادهَا ، وَمِنْه مسكن يؤويه من الْحر وَالْبرد من الغيران والعشوش وَنَحْوهَا ، وَمِنْه لِبَاس يقوم مقَام الريش من جُلُود الْبَهَائِم أَو أوراق الْأَشْجَار ، أَو مِمَّا عملت أَيْديهم ، وَمِنْه أَن اهْتَدَى لتعيين منكوحه لَا يزاحمه فِيهَا أحد ، يدْفع بهَا شبقه ، ويذرأ بهَا نَسْله ، ويستعين بهَا فِي حَوَائِجه
حجة الله البالغة — صفحة 85
مساهمون: ولى الله احمد بن عبد الرحيم الدهلوي ( الشاه ولي الله الدهلوي )
ص٨٥