تنقاد ليعسوبها ، ثمَّ كَيفَ تعسل ، وكما ألهم العصفور كَيفَ يَبْتَغِي الْحُبُوب الغاذية ، وَكَيف يرد المَاء ، وَكَيف يفر عَن السنور والصياد ، وَكَيف يُقَاتل من صده عَمَّا يحْتَاج إِلَيْهِ ، وَكَيف يسافد ذكره الْأُنْثَى عِنْد الشبق ، ثمَّ يتخذان عشا عِنْد الْجَبَل ، ثمَّ كَيفَ يتعاونان فِي حضَانَة الْبيض ، ثمَّ كَيفَ يزقان الْفِرَاخ ، وَكَذَلِكَ لكل نوع شَرِيعَة تنفث فِي صُدُور أَفْرَاده من طَرِيق الصُّورَة النوعية .
وَكَذَلِكَ ألهم الْإِنْسَان كَيفَ يرتفق من هَذِه الضرورات غير أَنه انظم لَهُ مَعَ هَذَا ثَلَاثَة أَشْيَاء لمقْتَضى صورته النوعية الرابية على كل نوع .
أَحدهَا الانبعاث إِلَى شَيْء من رَأْي كلي فالبهيمة إِنَّمَا تنبعث إِلَى غَرَض محسوس أَو متوهم من دَاعِيَة ناشئة من طبيعتها كالجوع والعطش والشبق ، وَالْإِنْسَان رُبمَا ينبعث إِلَى نفع مَعْقُول لَيْسَ لَهُ دَاعِيَة من طَبِيعَته فيقصد أَن
يحصل نظاما صَالحا فِي الْمَدِينَة أَو بكمل خلقه ، ويهذب نَفسه ، أَو يتفصى من عَذَاب الْآخِرَة ، أَو يُمكن جاهه فِي صُدُور النَّاس .
الثَّانِي أَنه يضم مَعَ الارتفاق الظرافة ، فالبهيمة إِنَّمَا تبتغي مَا تسد بِهِ خلتها ، وتدفع حَاجَتهَا فَقَط ، وَالْإِنْسَان رُبمَا يُرِيد أَن تقر عينه ، وتلذ نَفسه زِيَادَة على الْحَاجة ، فيطلب زَوْجَة جميلَة ، وَطَعَامًا لذيذا ، وملبسا فاخرا ومسكنا شامخا .
وَالثَّالِث أَنه يُوجد مِنْهُم أهل عقل ودارية يستنبطون الارتفاقات الصَّالِحَة ، وَيُوجد مِنْهُم من يختلج فِي صَدره مَا اختلج فِي صُدُور أُولَئِكَ ، وَلَكِن لَا يَسْتَطِيع الاستنباط ، فَإِذا رأى من الْحُكَمَاء ، وَسمع مَا استنبطوه تَلقاهُ بقلبة ، وعض عَلَيْهِ بنواجذه لما وجده مُوَافقا لعلمه الإجمالي ، فَرب إِنْسَان يجوع ، ويظمأ فَلَا يجد الطَّعَام وَالشرَاب ، فيقاسي ألما شَدِيدا حَتَّى يجدهما ، فيحاول ارتفاقا بِإِزَاءِ هَذِه الْحَاجة ، وَلَا يَهْتَدِي سَبِيلا ، ثمَّ يتَّفق أَن يلقى حكيما أَصَابَهُ مَا أصَاب ذَلِك ، فتعرف الْحُبُوب الغاذية ، واستنبط بذرها وسقيها وحصادها ودياسها وتذريتها ، وحفظها إِلَى وَقت الْحَاجة ، واستنبط حفر الْآبَار للبعيد من الْعُيُون والأنهار واصطناع القلال والقرب والقصاع ، فيتخذ ذَلِك بَابا من الارتفاق ، ثمَّ أَنه يقضم الْحُبُوب كَمَا هِيَ ، فَلَا تنهضم فِي معدته ، ويرتع الْفَوَاكِه نيئة ، فَلَا تنهضم ، فيحاول شَيْئا بِإِزَاءِ هَذِه ، فَلَا يَهْتَدِي سَبِيلا ، فَيلقى حكيما استنبط الطَّبْخ والقلي والطحن وَالْخبْز ، فيتخذ ذَلِك بَابا آخر ، وَقس على ذَلِك حاجاته كلهَا .
حجة الله البالغة — صفحة 83
مساهمون: ولى الله احمد بن عبد الرحيم الدهلوي ( الشاه ولي الله الدهلوي )
ص٨٣