تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حجة الله البالغة — صفحة 309

مساهمون:

ص٣٠٩
عصرا بعد عصر ، وَلذَلِك سميت بالفطرة وَهَذِه شَعَائِر الْملَّة الحنيفية ، وَلَا بُد لكل مِلَّة من شَعَائِر يعْرفُونَ بهَا ، ويؤاخذون عَلَيْهَا ، ليَكُون طاعتها وعصيانها أمرا محسوسا ، وَإِنَّمَا يَنْبَغِي أَن يَجْعَل من الشعائر مَا كثر وجوده ، وتكرر وُقُوعه ، وَكَانَ ظَاهرا ، وَفِيه فَوَائِد جمة تقبله أذهان النَّاس أَشد الْقبُول . وَالْجُمْلَة فِي ذَلِك أَن بعض الشُّعُور النابتة من جَسَد الْإِنْسَان يفعل فعل الْأَحْدَاث فِي قبض الخاطر ، وَكَذَا شعث الرَّأْس واللحية وليرجع الْإِنْسَان فِي ذَلِك إِلَى مَا ذكره الْأَطِبَّاء فِي الشرى والحكة وَغَيرهمَا من الْأَمْرَاض الجلدية أَنَّهَا تحزن الْقلب وَتذهب النشاط . واللحية هِيَ الفارقة الصَّغِير وَالْكَبِير وَهِي جمال الفحول وَتَمام هيأتهم فَلَا بُد من إعفائها ، وقصها سنة الْمَجُوس ، وَفِيه تَغْيِير خلق الله ، ولحوق أهل السؤدد والكبرياء بالرعاع ، وَمن طَالَتْ شواربه تعلق الطَّعَام وَالشرَاب بهَا ، وَاجْتمعَ فِيهَا الأوساخ وَهُوَ من سنه الْمَجُوس ، وَهُوَ قَوْله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " خالفوا الْمُشْركين قصوا الشَّوَارِب وَاعْفُوا اللحى " . وَفِي الْمَضْمَضَة وَالِاسْتِنْشَاق والسواك إِزَالَة المخاط والبخر ، والغرلة عُضْو زَائِد يجْتَمع فِيهَا الْوَسخ وَيمْنَع الِاسْتِبْرَاء من الْبَوْل وينقض لَذَّة الْجِمَاع ، وَفِي التَّوْرَاة - إِن الْخِتَان ميسم الله على إِبْرَاهِيم وَذريته - مَعْنَاهُ أَن الْمُلُوك جرت عَادَتهم بِأَن يسموا مَا يخصهم من الدَّوَابّ لتتميز من غَيرهَا وَالْعَبِيد الَّذين لَا يُرِيدُونَ إعتاقهم ، فَكَذَلِك جعل الْخِتَان ميسما عَلَيْهِم ، وَسَائِر الشعائر يُمكن أَن يدخلهَا تَغْيِير وتدليس ، والختان لَا يتَطَرَّق إِلَيْهِ تَغْيِير إِلَّا بِجهْد ، وانتقاص المَاء كِنَايَة عَن الِاسْتِنْجَاء بِهِ . قَوْله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أَرْبَعَة من سنَن الْمُرْسلين الْحيَاء - ويروى الْخِتَان - والتعطر والسواك وَالنِّكَاح " أَقُول : أرى أَن هَذِه كلهَا من الطَّهَارَة فالحياء ترك الوقاحة وَالْبذَاء وَالْفَوَاحِش ، وَهِي تلوث النَّفس ، وتكدرها . والتعطر يهيج سرُور النَّفس وانشراحها وينبه على الطَّهَارَة تَنْبِيها قَوِيا ، وَالنِّكَاح يطهر الْبَاطِن من التوقان إِلَى النِّسَاء ودوران أَحَادِيث تميل إِلَى قَضَاء هَذِه الشَّهْوَة .