أما صفة التَّيَمُّم فَهُوَ أحد مَا اخْتلف فِيهِ طَرِيق التلقي عَن النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَإِن أَكثر الْفُقَهَاء من التَّابِعين وَغَيرهم قبل أَن تمهد طَريقَة الْمُحدثين على أَن التَّيَمُّم ضربتان ، وضربه للْوَجْه ، وضربة لِلْيَدَيْنِ إِلَى الْمرْفقين .
وَأما الْأَحَادِيث فأصحها حَدِيث عمار " إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيك أَن تضرب بيديك الأَرْض ، ثمَّ تنفخ فيهمَا ، ثمَّ تمسح بهما وَجهك وكفيك " وَرُوِيَ من حَدِيث ابْن عمر " التَّيَمُّم ضربتان ، ضَرْبَة للْوَجْه وضربة لِلْيَدَيْنِ إِلَى الْمرْفقين " وَقد روى عمل النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالصَّحَابَة على الْوَجْهَيْنِ ، وَوجه الْجمع
ظَاهر يرشد إِلَيْهِ لفظ " إِنَّمَا يَكْفِيك " فَالْأول أدنى التَّيَمُّم وَالثَّانِي هُوَ السّنة وعَلى ذَلِك يُمكن أَن يحمل اخْتلَافهمْ فِي التَّيَمُّم ، وَلَا يبعد أَن يكون تَأْوِيل فعله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنه علم عمارا أَن الْمَشْرُوع فِي التَّيَمُّم إِيصَال مَا لصق باليدين بِسَبَب الضَّرْبَة - دون التمرغ ، وَلم يرد بَيَان قد رالمسموح من أَعْضَاء التَّيَمُّم وَلَا عدد الضَّرْبَة ، وَلَا يبعد أَن يكون قَوْله لعمَّار أَيْضا مَحْمُولا على هَذَا الْمَعْنى ، وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ الْحصْر بِالنِّسْبَةِ إِلَى التمرغ ، وَفِي مثل هَذِه الْمَسْأَلَة لَا يَنْبَغِي أَن يَأْخُذ الْإِنْسَان إِلَّا بِمَا يخرج بِهِ من الْعَهْد يَقِينا ، وَكَانَ عمر وَابْن مَسْعُود رَضِي الله عَنْهُمَا لَا يريان التَّيَمُّم على الْجَنَابَة ، وحملا الْآيَة على اللَّمْس وَأَنه ينْقض الْوضُوء ، لَكِن حَدِيث عمرَان وعمار يشْهد بِخِلَاف ذَلِك ، وَلم أجد فِي حَدِيث صَحِيح تَصْرِيحًا بِأَنَّهُ يجب أَن يتَيَمَّم لكل فَرِيضَة ، أَو لَا يجوز التَّيَمُّم للآبق وَنَحْوه ، وَإِنَّمَا ذَلِك من التخريجات .
قَوْله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الرجل المشجوج : " إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيهِ أَن يتَيَمَّم ويعصب على جرحه خرقَة ، ثمَّ يمسح عَلَيْهَا وَيغسل سَائِر جسده " : فِيهِ أَن التَّيَمُّم هُوَ الْبَدَل عَن الْعُضْو كتمام الْبدن لِأَنَّهُ كالشئ الْمُؤثر بالخاصية ، وَفِيه الْأَمر بِالْمَسْحِ لما ذكرنَا فِي الْمسْح على الْخُفَّيْنِ .
قَوْله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِن الصَّعِيد الطّيب وضوء الْمُسلم وَإِن لم يجد المَاء عشر سِنِين " أَقُول الْمَقْصُود مِنْهُ سد بَاب التعمق ، فان مثله يتعمق فِيهِ المتعمقون ويخالفون حكم الله فِي الترخيص .
حجة الله البالغة — صفحة 306
مساهمون: ولى الله احمد بن عبد الرحيم الدهلوي ( الشاه ولي الله الدهلوي )
ص٣٠٦