تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حجة الله البالغة — صفحة 244

مساهمون:

ص٢٤٤
قَالَ الْقَاسِم : إِنَّكُم تسْأَلُون عَن أَشْيَاء مَا كُنَّا نسْأَل عَنْهَا وتنقرون عَن أَشْيَاء مَا كُنَّا ننقر عَنْهَا . تسالون عَن أَشْيَاء مَا أَدْرِي مَا هِيَ ، وَلَو علمناها مَا حل لنا أَن نكتمها . عَن عمر بن إِسْحَاق قَالَ : لمن أدْركْت من أَصْحَاب رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَكثر مِمَّن سبقني مِنْهُم ، فَمَا رَأَيْت قوما أيسر سيرة ، وَلَا أقل تشديدا مِنْهُم ، وَعَن عبَادَة بن بسر الْكِنْدِيّ ، وَسُئِلَ عَن امْرَأَة مَاتَت مَعَ قوم لَيْسَ لَهَا ولي ، فَقَالَ : أدْركْت أَقْوَامًا مَا كَانُوا يشددون تشديدكم ، وَلَا يسْأَلُون مسائلكم ، أخرج هَذِه الْآثَار الدَّارمِيّ . وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يستفتيه النَّاس فِي الوقائع ، فيفتيهم ، وترفع إِلَيْهِ القضايا ، فَيَقْضِي فِيهَا ، وَيرى النَّاس يَفْعَلُونَ مَعْرُوفا ، فيمدحه أَو مُنْكرا ، فينكر عَلَيْهِ ، وكل مَا أفتى بِهِ مستفتيا ، أَو قضى بِهِ فِي قَضِيَّة ، أَو أنكرهُ على فَاعله ، كَانَ فِي الاجتماعات ، وَكَذَلِكَ كَانَ الشَّيْخَانِ أَبُو بكر وَعمر إِذا لم يكن لَهما علم فِي الْمَسْأَلَة يسْأَلُون النَّاس عَن حَدِيث رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَقَالَ أَبُو بكر رَضِي الله عَنهُ : مَا سَمِعت رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فِيهَا شَيْئا يَعْنِي - الْجدّة - وَسَأَلَ النَّاس ، فَلَمَّا صلى الظّهْر قَالَ : أَيّكُم سمع رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فِي الْجدّة شَيْئا ؟ فَقَالَ الْمُغيرَة بن شُعْبَة : أَنا ، قَالَ : مَاذَا قَالَ ؟ قَالَ : أَعْطَاهَا رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سدسا ، قَالَ : أيعلم ذَاك أحد غَيْرك ؟ فَقَالَ مُحَمَّد بن سَلمَة : صدق ، فَأَعْطَاهَا أَبُو بكر السُّدس ، وقصة سُؤال عمر النَّاس فِي الْغرَّة ، ثمَّ رُجُوعه إِلَى خبر مُغيرَة ، وسؤاله إيَّاهُم فِي الوباء ، ثمَّ رُجُوعه إِلَى خبر عبد الرَّحْمَن بن عَوْف ، وَكَذَا رُجُوعه فِي قصَّة الْمَجُوس إِلَى خَبره ، وسرور عبد الله بن مَسْعُود بِخَبَر معقل بن يسَار لما وَافق رَأْيه ، وقصة رُجُوع أبي مُوسَى عَن بَاب عمر وسؤاله عَن الحَدِيث ، وَشَهَادَة أبي سعيد لَهُ ، وأمثال ذَلِك كَثِيرَة مَعْلُومَة مروية فِي الصَّحِيحَيْنِ وَالسّنَن : وَبِالْجُمْلَةِ فَهَذِهِ كَانَت عَادَته الْكَرِيمَة صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَرَأى كل صَحَابِيّ مَا يسره الله لَهُ من عِبَادَته وفتاواه وأقضيته ، فحفظها ، وعقلها ، وَعرف لكل شَيْء وَجها من قبل حفوف الْقَرَائِن بِهِ ، فَحمل بَعْضهَا على الْإِبَاحَة ، وَبَعضهَا على النّسخ لأمارات وقرائن كَانَت كَافِيَة عِنْده ، وَلم يكن الْعُمْدَة عِنْدهم إِلَّا وجدان الاطمئنان والثلج من غير الْتِفَات إِلَى طرق الِاسْتِدْلَال كَمَا ترى الْأَعْرَاب يفهمون مَقْصُود الْكَلَام فِيمَا بَينهم ، وتثلج صُدُورهمْ بالتصريح والتلويح والإيماء من حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ ، فانقضى عصره الْكَرِيم وهم على ذَلِك ، ثمَّ إِنَّهُم تفَرقُوا فِي الْبِلَاد وَصَارَ كل وَاحِد مقتدى نَاحيَة من النواحي ، فكثرت الوقائع ، ودارت الْمسَائِل ، فاستفتوا فِيهَا ، فَأجَاب كل وَاحِد حَسْبَمَا حفظه ، أَو استنبط ، وَإِن لم يجد فِيمَا حفظه أَو استنبط مَا يصلح للجواب - اجْتهد بِرَأْيهِ ، وَعرف الْعلَّة الَّتِي أدَار رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيْهَا الحكم فِي منصوصاته ، فطرد