وَمِنْهَا أَن يرغم أنف من أَرَادَ غير الْحق بتأييسه كالقاتل لَا يَرث ، وَالْمكْره فِي الطَّلَاق لَا ينفذ طَلَاقه ، فَيكون كابحا للجبارين من الاكراه إِذْ لم يحصل غرضهم .
وَمِنْهَا أَلا يشرع لَهُم مَا فِيهِ مشقة إِلَّا شَيْئا فَشَيْئًا وَهُوَ قَول عَائِشَة رَضِي الله عَنْهَا إِنَّمَا أنزل أول نزل مِنْهُ سور من الْمفصل فِيهَا ذكر الْجنَّة وَالنَّار ، حَتَّى إِذا ثاب النَّاس إِلَى الْإِسْلَام نزل الْحَلَال وَالْحرَام ، وَلَو نزل أول شَيْء لَا تشْربُوا الْخمر لقالوا لَا نَدع الْخمر أبدا ، وَلَو نزل لَا تَزْنُوا لقالوا لَا نَدع الزِّنَا أبدا .
وَمِنْهَا أَن لَا يفعل النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا تخْتَلف بِهِ قُلُوبهم ، فَيتْرك بعض الْأُمُور المستحبة لذَلِك ، وَهُوَ قَوْله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لعَائِشَة " لَوْلَا حدثان قَوْمك بالْكفْر لنقضت الْكَعْبَة ، وبنيتها على أساس إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام " .
وَمِنْهَا أَن الشَّارِع أَمر بأنواع الْبر من الْوضُوء وَالْغسْل وَالصَّلَاة وَالزَّكَاة وَالصَّوْم وَالْحج وَغَيرهَا ، وَلم يَتْرُكهَا مفوضة إِلَى عُقُولهمْ ، بل ضَبطهَا بالأركان والشروط والآداب وَنَحْوهَا ، ثمَّ لم يضْبط الْأَركان والشروط والآداب كثير ضبط ، بل تَركهَا مفوضة إِلَى عُقُولهمْ وَإِلَى مَا يفهمونه من تِلْكَ الْأَلْفَاظ ، وَمَا يعتادونه فِي ذَلِك الْبَاب ، فَبين مثلا أَنه لَا صَلَاة إِلَّا بِفَاتِحَة الْكتاب ، وَلم يبين مخارج الْحُرُوف الَّتِي تتَوَقَّف عَلَيْهَا صِحَة قِرَاءَة الْفَاتِحَة وتشديداتها وحركاتها وسكناتها ، وَبَين أَن اسْتِقْبَال الْقبْلَة شَرط فِي الصَّلَاة ، وَلم يبين قانونا نَعْرِف بِهِ استقبالها ، وَبَين أَن نِصَاب الزَّكَاة مِائَتَا دِرْهَم ، وَلم يبين أَن الدِّرْهَم مَا وَزنه ، وَحَيْثُ سُئِلَ عَن مثل ذَلِك لم يزدْ على مَا عِنْدهم ، وَلم يَأْتهمْ بِمَا لَا يجدونه فِي عاداتهم ، فَقَالَ فِي مَسْأَلَة هِلَال شهر رَمَضَان " فَإِذا غم عَلَيْكُم فأكملوا عدَّة شعْبَان ثَلَاثِينَ " وَقَالَ فِي المَاء يكون فِي فلاة من الأَرْض ترده السبَاع والبهائم " إِذا بلغ المَاء قُلَّتَيْنِ لم يحمل خبثا " وَأَصله مُعْتَاد فيهم كَمَا بَينا .
والسر فِي ذَلِك أَن كل شَيْء مِنْهَا لَا يُمكن أَن يبين إِلَّا بحقائق مثلهَا فِي الظُّهُور والخفاء وَعدم الانضباط ، فَيحْتَاج أَيْضا إِلَى الْبَيَان وهلم جرا ، وَذَلِكَ حرج عَظِيم من حَيْثُ أَن كل تَوْقِيت تضييق عَلَيْهِم فِي الْجُمْلَة ، فَإِذا كثرت التوقيتات ضَاقَ المجال كل الضّيق ، وَمن حَيْثُ أَن الشَّرْع يُكَلف بِهِ الأدانى والأقاصي كلهم ، وَفِي حفظ تِلْكَ الْحُدُود على
حجة الله البالغة — صفحة 198
مساهمون: ولى الله احمد بن عبد الرحيم الدهلوي ( الشاه ولي الله الدهلوي )
ص١٩٨