التَّلَبُّس بِأَفْعَال شنيعة وأفعال تميل إِلَى طيش وضجر والتقرب من النَّجَاسَات وَالْقَسْوَة عَن ذكر الله والإفساد لكل نظام مستحسن مَطْلُوب .
وأعنى بالأفعال الشنيعة مَا إِذا فعله الْإِنْسَان اشمأزت قُلُوب النَّاس عَنهُ واقشعرت جُلُودهمْ ، وَانْطَلَقت ألسنتهم باللعن والطعن ، وَيكون ذَلِك ، كالمذهب الطبيعي لبني آدم تعطيه الصُّورَة النوعية ، وَيَسْتَوِي فِيهِ طوائف الْأُمَم لَا للمحافظة على رسم قوم دون قوم أَو مِلَّة دون مِلَّة ، مثل أَن يقبض على ذكره ، ويثب ، ويرقص ، أَو يدْخل إصبعه فِي دبره ، ويلطخ لحيته بالمخاط ، أَو يكون أجدع الْأنف وَالْأُذن مسخم الْوَجْه ، أَو ينكس لِبَاسه ، فَيجْعَل أَعلَى الْقَمِيص أَسْفَل ، أَو يركب دَابَّة ، فَيجْعَل وَجهه من قبل ذنبها ، أَو يلبس خف فِي رجل وَالرجل الْأُخْرَى حافية وَنَحْو ذَلِك من الْأَفْعَال والهيئات الْمُنكرَة الَّتِي لَا يَرَاهَا أحد إِلَّا لعن ، وَسَب ، وَشتم وَقد شاهدت فِي بعض الْوَاقِعَات الشَّيَاطِين يَفْعَلُونَ بعض ذَلِك .
وأعنى بِأَفْعَال الطيش مثل الْعَبَث بِثَوْبِهِ وبالحصى وتحريك الْأَطْرَاف على وَجه مُنكر .
وَبِالْجُمْلَةِ فقد كشف الله تَعَالَى على نبيه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تِلْكَ الْأَفْعَال ، وَأَنَّهَا تعطيها أمزجة الشَّيَاطِين ، فَلَا يتَمَثَّل الشَّيْطَان فِي رُؤْيا أحد أَو يقظته إِلَّا وَهُوَ يتلبس بِبَعْضِهَا ، وَأَن المرضى فِي حق الْمُؤمن أَن يتباعد من الشَّيَاطِين وهيئاتهم بِقدر الِاسْتِطَاعَة ، فَبين النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تِلْكَ الْأَفْعَال والهيئات ، وكرهها ، وَأمر بالاحتراز عَنْهَا .
وَمن هَذَا الْبَاب قَوْله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أَن هَذِه الحشوش محتضرة " .
وَقَوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أَن الشَّيْطَان يلْعَب بمقاعد بني آدم " وَأَنه يضْحك إِذا قَالَ الْإِنْسَان هاه هاه " وَقس على ذَلِك التَّرْغِيب فِي هيئات الْمَلَائِكَة ، وَهُوَ قَوْله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أَلا تصفون كَمَا تصف الْمَلَائِكَة " وَهَذَا أصل آخر لأبواب من الْآدَاب .
وَاعْلَم أَن من أَسبَاب جعل الشَّيْء فرضا بالكفاية أَن يكون اجْتِمَاع النَّاس عَلَيْهِ بأجمعهم مُفْسِدا لمعاشهم ومفضيا إِلَى إهمال ارتفاقاتهم ، وَلَا يُمكن تعْيين بعض النَّاس لَهُ وَتَعْيِين آخَرين لغيره ، كالجهاد لَو اجْتَمعُوا عَلَيْهِ ، وَتركُوا الفلاحة وَالتِّجَارَة والصناعات - لبطل معاشهم ، وَلَا يُمكن تعْيين بعض النَّاس للْجِهَاد وَآخَرين للتِّجَارَة وَآخَرين للفلاحة وَآخَرين للْقَضَاء وَتَعْلِيم الْعلم ؛ فَإِن كل وَاحِد يَتَيَسَّر لَهُ مَا لَا يَتَيَسَّر إِلَى يُغَيِّرهُ ؛ وَلَا يعلم المستعد لشَيْء من ذَلِك بالأسامى والأصناف ليدر الحكم عَلَيْهَا .
حجة الله البالغة — صفحة 175
مساهمون: ولى الله احمد بن عبد الرحيم الدهلوي ( الشاه ولي الله الدهلوي )
ص١٧٥