فَيجْعَل ركنا ، وَيُؤمر بِهِ كالقومة بَين الرُّكُوع وَالسُّجُود بهَا يحصل الْفرق بَين الإنحناء الَّذِي هُوَ مُقَدّمَة السُّجُود ، وَبَين الرُّكُوع الَّذِي هُوَ تَعْظِيم بِرَأْسِهِ ، وكالإيجاب وَالْقَبُول وَالشُّهُود وَحُضُور الْوَلِيّ ورضا الْمَرْأَة فِي النِّكَاح ، فَإِن التميز بَين السفاح وَالنِّكَاح لَا يحصل إِلَّا بذلك ، وَيُمكن أَن يخرج بعض الْأَركان على الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا .
وعَلى مَا ذكرنَا فِي الرُّكْن يَنْبَغِي أَن يُقَاس حَال الشَّرْط ، فَرُبمَا يكون الشَّيْء وَاجِبا بِسَبَب من الْأَسْبَاب ، فَيجْعَل شرطا لبَعض شَعَائِر الدّين تنويها بِهِ ، وَلَا يكون ذَلِك حَتَّى تكون تِلْكَ الطَّاعَة كَامِلَة بانضمامه كاستقبال الْقبْلَة لما كَانَت الْكَعْبَة من شَعَائِر الله وَجب تعظيمها ، وَكَانَ من أعظم التَّعْظِيم أَن تسْتَقْبل فِي أحسن حالاتهم ، وَكَانَ الِاسْتِقْبَال إِلَى جِهَة خَاصَّة هُنَالك بعض شَعَائِر الله ، مِنْهَا للْمُصَلِّي على صِفَات الأخبات والخضوع ، مذكرا لَهُ هَيْئَة قيام العبيد بَين أَيدي سادتهم جعل اسْتِقْبَال الْقبْلَة شرطا فِي الصَّلَاة .
وَرُبمَا يكون الشَّيْء لَا يُفِيد فَائِدَة بِدُونِ هَيْئَة ، فَيشْتَرط لصِحَّته كالنية ، فَإِن الْأَعْمَال إِنَّمَا تُؤثر لكَونهَا أشباح هيئات نفسانية ، وَالصَّلَاة شبح الاخبات ، وَلَا إخبات بِدُونِ النِّيَّة ، وكاستقبال الْقبْلَة أَيْضا على تَخْرِيج آخر ، فَإِن تَوْجِيه الْقلب لما كَانَ خفِيا نصب تَوْجِيه الْوَجْه إِلَى الْكَعْبَة الَّتِي من شَعَائِر الله مقَامه ، وكالوضوء وَستر الْعَوْرَة وهجر الرجز ، فَإِنَّهُ لما كَانَ التَّعْظِيم أمرا خفِيا نصبت الهيئات الَّتِي يُؤَاخذ الْإِنْسَان بهَا نَفسه عِنْد الْمُلُوك وأشباههم ، ويعدونها
تَعْظِيمًا ، وَصَارَ ذَلِك كامنا فِي قُلُوبهم ، وَأجْمع عَلَيْهِ عربهم وعجمهم مقَامه .
وَإِذا عين شَيْء من الطَّاعَات للفرضية فَلَا بُد من مُلَاحظَة أصُول : مِنْهَا أَلا يُكَلف إِلَّا بالميسر ، وَذَلِكَ قَوْله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " لَوْلَا أَن أشق على أمتِي لأمرتهم بِالسِّوَاكِ عِنْد كل صَلَاة " وَتَفْسِيره مَا جَاءَ فِي رِوَايَة أُخْرَى " لَوْلَا أَن أشق على أمتِي لفرضت عَلَيْهِم السِّوَاك عِنْد كل صَلَاة كَمَا فرضت عَلَيْهِم الْوضُوء " . وَمِنْهَا أَن الْأمة إِذا اعتقدت فِي مِقْدَار أَن تَركه وإهماله تَفْرِيط فِي جنب الله ، واطمأنت بِهِ نُفُوسهم إِمَّا لكَونه مأثورا عَن الْأَنْبِيَاء مجمعا عَلَيْهِ من السّلف أَو نَحْو ذَلِك - كَانَت الْحِكْمَة أَن يكْتب ذَلِك الْمِقْدَار عَلَيْهِم كَمَا استوجبوه ، كتحريم لُحُوم الْإِبِل وَأَلْبَانهَا على بني إِسْرَائِيل وَهُوَ قَوْله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قيام ليَالِي رَمَضَان حَتَّى : " خشيت أَن يكْتب عَلَيْكُم " .
وَمِنْهَا إِلَّا يسجل على التَّكْلِيف بِشَيْء حَتَّى يكون ظَاهرا منضبطا لَا يخفى عَلَيْهِم ، فَلذَلِك لَا يَجْعَل من أَرْكَان الْإِسْلَام الْحيَاء وَسَائِر الْأَخْلَاق ، وَأَن كَانَت من شُعْبَة .
حجة الله البالغة — صفحة 173
مساهمون: ولى الله احمد بن عبد الرحيم الدهلوي ( الشاه ولي الله الدهلوي )
ص١٧٣