إِمَّا لقُصُور الْعلم ، أَو لغَرَض دُنْيَوِيّ يفْسد بصيرته ، فمست الْحَاجة إِلَى أَمَارَات يتَمَيَّز بهَا الاثم من غَيره ، وَلَو لم يؤقت الْأَوْقَات لاستكثر بَعضهم الْقَلِيل من الصَّلَاة وَالصَّوْم ، فَلم يغن ذَلِك عَنْهُم شَيْئا ، وَلم تمكن المعاقبة على تسللهم واحتيالهم ، وَلَو لم يعين لَهُم الْأَركان والشروط لخبطوا خبط عشواء وَلَوْلَا الْحُدُود لم ينزجر أهل الطغيان .
وَبِالْجُمْلَةِ فجمهور النَّاس لَا يتم تكليفهم إِلَّا بأوقات وأركان وشروط وعقوبات وَأَحْكَام كُلية ، وَنَحْو ذَلِك ، وَإِذا شِئْت أَن تعرف للتشريع ميزانا ، فَتَأمل حَال الطَّبِيب الحاذق عِنْدَمَا يجْتَهد فِي سياسة المرضى ، ويخبرهم بِمَا لَا يعْرفُونَ ، ويكلفهم بِمَا لَا يحيطون بدقائقه علما كَيفَ يعمد إِلَى مظنات محسوسة ، فيقيمها مقَام الْأُمُور الْخفية كَمَا يُقيم حمرَة الْبشرَة وَخُرُوج الدَّم من اللثة مقَام غَلَبَة الدَّم ، وَكَيف ينظر إِلَى قُوَّة الْمَرَض وَسن الْمَرِيض وبلده وفصله وَإِلَى قُوَّة الدَّوَاء وَجَمِيع مَا هُنَاكَ ، فيحدس بِمِقْدَار خَاص من الدَّوَاء يلائم الْحَال ، فيكلفه بِهِ ، وَرُبمَا اتخذ قَاعِدَة كُلية من قبل إِقَامَة المظنة
مقَام سَبَب الْمَرَض وَإِقَامَة هَذَا الْقدر الَّذِي تفطن بِهِ من الدَّوَاء مقَام إِزَالَة الْمَادَّة المؤذية أَو تَغْيِير هيئتها الْفَاسِدَة ، فَيَقُول مثلا : من احْمَرَّتْ بَشرته ودميت لثته وَجب عَلَيْهِ بِحكم الطِّبّ أَن يحتسي على الرِّيق شراب الْعنَّاب أَو مَاء الْعَسَل ، وَمن لم يفعل ذَلِك فَإِنَّهُ على شرف الْهَلَاك ، وَيَقُول : من تنَاول من معجون كَذَا وَكَذَا وزن مِثْقَال زَالَ عَنهُ مرض كَذَا ، وَأمن من مرض كَذَا ، فيؤثر عَنهُ تِلْكَ الْكُلية ، وَيعْمل بهَا ، فَيجْعَل الله فِي ذَلِك نفعا كثيرا ، وَتَأمل حَال الْملك الْحَكِيم النَّاظر فِي إصْلَاح الْمَدِينَة وسياسة الجيوش كَيفَ ينظر إِلَى الْأَرَاضِي وريعها ، وَإِلَى الزراع ومؤنتهم ، وَإِلَى الحراس وكفايتهم ، فَيضْرب الْعشْر وَالْخَرَاج حسب ذَلِك ، وَكَيف يُقيم هيئات محسوسة وقرائن مقَام الْأَخْلَاق والملكات الَّتِي يجب وجودهَا فِي الأعوان ، فيتخذهم على ذَلِك القانون وَكَيف ينظر إِلَى الْحَاجَات الَّتِي لَا بُد من كفايتها ، وَإِلَى الأعوان وكثرتهم ، فيوزعهم توزيعا يَكْفِي الْمَقْصُود ، وَلَا يضيق عَلَيْهِم ، وَتَأمل حَال معلم الصّبيان بِالنِّسْبَةِ إِلَى صبيانه ، وَالسَّيِّد بِالنِّسْبَةِ إِلَى غلمانه يُرِيد هَذَا تعليمهم ، وَذَلِكَ كِفَايَة الْحَاجة الْمَقْصُودَة بِأَيْدِيهِم ، وهم لَا يعْرفُونَ حَقِيقَة الْمصلحَة ، وَلَا يرغبون فِي إِقَامَتهَا ، ويتسللون ، ويعتذرون ، يَعْتَذِرُونَ ، ويحتالون كَيفَ يعرفان مَظَنَّة الثلمة قبل وُقُوعهَا ، فيسدان الْخلَل ، وَلَا يخاطبانهم إِلَّا بطريقة لَيْلهَا نَهَارهَا ، ونهارها لَيْلهَا ، لَا يَجدونَ مِنْهَا حِيلَة ، وَلَا يتمكنون من التسلل وَهِي تقضي إِلَى الْمَقْصُود من حَيْثُ يعلمُونَ أَو لَا يعلمُونَ .
حجة الله البالغة — صفحة 161
مساهمون: ولى الله احمد بن عبد الرحيم الدهلوي ( الشاه ولي الله الدهلوي )
ص١٦١