إِلَى أَنْ أَلحقْتُ الْفُرَاتَ بِالنّيلِ ، وَبَلَغْتُ فِيمَا بَيْنَهُمَا غَايَةَ الْمُسْتَنِيلِ ، وَجَعَلْتُ مَا بَيْنَ الأَنْدَلُسِ وَالشَّامِ كَمَرْحَلَةِ يَوْمٍ مِنَ الأَيَّامِ ، وَمَا حَجَزَنِي عَنِ الْحِجَازِ قَطْعُ حَزْنِ وَلاَ سَهْلٍ ، وَلاَ تَشَاغَلْتُ عَنْ ذَلِكَ بِوَطَنٍ وَلاَ أَهْلٍ ، إِلَى أَنْ جَمَعْتُ بَيْنَ زِيَارَةِ الْحَرَمَيْنِ ، وَحَصَلْتُ مِنَ الرّحْلَةِ عَلَى غُنْمَيْنِ . وَلَمْ يَرُعْنِي أَنَّ بِغَرْنَاطَةَ دِيَارِي ، وَبِالشَّامِ مَزَارِي .
وَلَمَّا أَوْدَعْتُ طَرْفِي مِنْ مُشاهَدَةِ أَهْلِ الفَضْلِ مَا أَوْدَعْتُ ، وَحَجَجْتُ بَيْنَ [ إِفَادَتِهِمْ ] وَاسْتِفَادَتِهِمْ فَتَمَتَّعْتُ ، وَشَاهَدْتُ مِنْ مُلُوكِ الزَّمَانِ مَا انْطَوَتْ عَلَيْهِ الأَمْصَارُ ، وَشَهِدْتُ مِنْهُمْ مَنْ تَزَيَّنَتْ بِهِمُ الأَقْطَارُ ، رَأَيْتُ أَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ فِيمَا اتَّفَقَتْ عَلَيْهِ أَلْسُنُ الأَيَّامِ ، وَشَهِدَتْ بِهِ مَعَارِفُ الأَنَامِ ، كَمَنْ حَفِظَ النَّفْلَ وَضَيَّعَ الْوُجُوبَ ، وَقَنِعَ مِنَ الْغَنِيمَةِ بِأَنْ يَئُوبَ ، إِذْ فَاتَنِي الأَمْرُ النَّادِرُ ، وَالْمَوْرِدُ الَّذِي يَحْمَدُهُ الْوَارِدُ وَالصَّادِرُ ، وَالْمَقَامُ الَّذِي تَنْفُقُ فِيهِ الْعُلُومُ ، وَتَسْتَهِلُّ فَوَائِدُهُ كَمَا تَسْتَهِلُّ الْغُيُومُ ، وَتُعْرَفُ لأهْلِ الْعِلْمِ فِيهِ حُقُوقهمْ ، وَتُجْتَنَبُ إِضَاعَتُهُمْ وَعُقُوقُهُمْ ، شِنْشِنَةٌ تَوَارَثَهَا كَابِرٌ عَنْ كَابِرٍ ، وَمَزِيَّةٌ خَلَّفَهَا أَوَّلٌ لآخِرٍ ، حَرَمٌ لاَ يَضِيعُ نَزِيلُهُ ، وَكَرَمٌ لاَ يُخَافُ أَنَّ الزَّمَانَ مُزِيلُهُ ، وَمُلْكٌ تَتَهَلَّلُ لَهُ وُجُوهُ الخُطُوبِ وَتَنْفَرِجُ عِنْدَهُ مَضَايِقُ الكُرُوبِ ، وَتَدُورُ بِأَنْهَارِ تَدْبِيرِهِ رَحَى الحُرُوبِ ، وَيَشْتَمِلُ مِنَ المَجْدِ الأَصِيلِ عَلَى مَا اشْتَهَرَ وَشَذَّ مِنَ الضُّرُوبِ ، فَلَمَّا رَأَيْتُ مَا فَتَنِي مِنْ هَذَا الحَظّ الَّذِي لاَ يُثْمِرُ غَرْسَ ارْتِحَالِي إِنْ لَمْ أَنَلْ مِنْهُ نَصِيباً ، وَلاَ أَجِدُنِي مَعَ فَوْتِهِ لِأَدَاءِ الوَاجِبِ مُصِيباً ، أقْسَمْتُ لأَزُورَنَّ دِيَارَ بَكْرٍ ، مَدَّ
اقتطاف الأزاهر والتقاط الجواهر — صفحة 38
مساهمون: أحمد بن يوسف الرعيني الغرناطي
ص٣٨