تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ بغداد أو تاريخ مدينة السلام ( تحقيق بشار ) — صفحة 109

مساهمون:

ص١٠٩
أبا علي بْن خيران الفقيه ، يقول : رأيت أبا عَبْد اللَّهِ الحارث بْن أسد بباب الطاق فِي وَسط الطريق متعلقا بأبيه ، وَالناس قد اجتمعوا عَلَيْهِ يقول له ، طَلِّقْ أمي فإنك على دين ، وَهي على غيره . قلت ، وَكَانَ أَحْمَد بْن حَنْبَل يكره لحارث نظره فِي الكلام ، وَتصانيفه الكتب فيه ، وَيصد الناس عنه أَخْبَرَنِي مُحَمَّد بْن أَحْمَد بْن يعقوب ، قَالَ : أخبرنا مُحَمَّد بْن نعيم الضبي ، قَالَ : سمعت الإمام أبا بكر أَحْمَد بْن إسحاق ، يعني الصبغي ، يقول : سمعت إِسْمَاعِيل بْن إسحاق السراج ، يقول : قَالَ لي أَحْمَد بْن حَنْبَل يوما : يبلغني أن الحارث هذا يعني المحاسبي يُكْثِرُ الْكَوْنَ عندك فلو أحضرته منزلك وَأجلستني من حيث لا يراني فأسمع كلامه ، فقلت : السَّمْعَ وَالطَّاعَةَ لك يا أبا عَبْد اللَّهِ . وَسَرَّنِي هذا الابتداء من أَبِي عَبْد اللَّهِ ، فقصدت الحارث وَسألته أن يحضرنا تلك الليلة ، فقلت : وَتَسَلْ أَصْحَابَكَ أن يحضروا معك ، فَقَالَ : يا إِسْمَاعِيل فِيهِم كثرة فلا تزدهم على الكسب وَالتمر ، وَأكثر منهما ما استطعت : فَفَعَلْتُ مَا أَمَرَنِي به ، وَانصرفت إِلَى أَبِي عَبْد اللَّهِ فأخبرته ، فحضر بعد المغرب وَسعد غرفة فِي الدار ، فاجتهد فِي ورده إلى أن فرغ ، وَأصحابه ، فأكلوا ثُمَّ قاموا لصلاة العتمة ، وَلم يصلوا بعدها ، وَقعدوا بين يدي الحارث ، وَهم سكوت وَحضر الحارث لا ينطق وَاحد منهم إِلَى قريب من نصف الليل فابتدأ وَاحد منهم وَسأل الحارث عَنْ مسألة ، فأخذ فِي الكلام وَأصحابه يستمعون ، وَكَأَنَّ عَلَى رُءُوسِهِمُ الطَّيْرَ ، فمنهم من يبكي ، وَمنهم من يحن ، وَمنهم من يزعق ، وَهُوَ فِي كلامه . فصعدت الغرفة لأتعرف حال أَبِي عَبْد اللَّهِ ، فوجدته قد بكى حتى غشي عَلَيْهِ ، فانصرفت إليهم وَلم تزل تلك حالهم حتى أصبحوا ، فقاموا وَتَفَرَّقُوا ، فصعدت إِلَى أَبِي عَبْد اللَّهِ وَهُوَ متغير الحال ، فقلت : كيف رأيت هؤلاء يا أبا عَبْد اللَّهِ ؟ فَقَالَ : ما أعلم أني رأيت مثل هؤلاء القوم ، وَلا