تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ بغداد أو تاريخ مدينة السلام ( تحقيق بشار ) — صفحة 108

مساهمون:

ص١٠٨
أنسي تخرجني إِلَى وَحشة رؤية الناس وَالطرقات ؟ فيقول لي : كم أنسي وَعزلتي ؟ لو أن نصف الخلق تقربوا مني ما وَجدت بهم أنسا ، وَلو أن النصف الآخر نأى عني ما استوحشت لبعدهم . قَالَ وَسمعت الجنيد ، يقول : كَانَ الحارث كثير الضُّر فاجتاز بي يوما وَأنا جالس على بابنا ، فرأيت على وَجهه زيادة الضر من الجوع ، فقلت له : يا عم لو دخلت إلينا نلت من شيء عندنا ؟ قَالَ : أَوتفعل ؟ قلت : نعم ، وَتسرني بذلك وَتبرني ، فدخلت بين يديه ودخل معي ، وعمدت إلى بيت عمي ، وكان أوسع من بيتنا لا يخلو من أطعمة فاخرة لا يَكُون مثلها فِي بيتنا سريعا ، فجئت بأنواع كثيرة من الطعام ، فوضعته بين يديه ، فمد يده وَأخذ لقمة فرفعها إِلَى فيه ، فرأيته يلوكها وَلا يزدردها ، فوثب وَخرج وَما كلمني ، فلما كَانَ الغد لقيته ، فقلت : يا عم سررتني ثُمَّ نغصت علي ؟ قَالَ : يا بني أما الفاقة فكانت شديدة ، وَقد اجتهدت فِي أن أنال من الطعام الَّذِي قدمته إلي ، وَلكن بيني وَبين اللَّه علامة إذا لم يكن الطعام مرضيا ارتفع إِلَى أنفي منه زفورة فلم تقبله نفسي ، فقد رميت بتلك اللقمة فِي دهليزكم وَخرجت . أخبرنا أَبُو نعيم ، قَالَ : أَخْبَرَنِي جَعْفَر الخلدي فِي كتابه ، قَالَ : سمعت الجنيد يقول : مات أَبُو حارث المحاسبي يوم مات وَإن الحارث لمحتاج إلى دانق فضة ، وَخلف مالا كثيرا ، وَما أخذ منه حبة وَاحدة ، وَقَالَ : أَهْلُ مِلَّتَيْنِ لا يَتَوَارَثَانِ ، وَكَانَ أبوه وَاقفيا أخبرنا أَبُو نعيم ، قَالَ : سمعت أبا الْحَسَن بْن مقسم ، يقول : سمعت