من شئتم . فأجمع رأيهم أن يحاكموهما
إلى النار في اليمن - يقال أنها كانت بصنعاء - فانطلقوا حتى أتوا النار فنحروا عليها الجزر وقربوا القربان ، ثم تقرب الحبران فلم يزالا يقرآن كتاب الله من التوراة حتى خرجت لهما فمضيا فيها حتى جاوزا ودعا تبع سادة أهل اليمن فاجتمعوا وأرسلت النار نحوهم فأحرقتهم ونجا الحبران وأمرا النار أن تطفأ فطفأت . قال : فثارت عليه حمير وأرادوا قتله فقال : لا تعجلوا علي حتى أوصيكم وأوصي ابني حسان . فقال طائفة منهم اقتلوه ، وقالت طائفة
منهم : مهلاً مهلا فإن في هلكه هلاككم ، ولكن اسمعوا منه يتم لكم عزكم فإن عنده علماً . قال تبع : أما إذا كنتم قد اجتمعتم على قتلي فادفنوني قائماً ليتم لكم عزكم ولا يخرج منكم ملككم ، ثم دعا ابنه حسان فأوصاه أن يأتي جبلاً باليمن إذا هو ملك ، ثم ينظر من يأتيه من ذلك الجبل فيأكل ما أطعم ويشرب ما سقى ويفعل ما أمر . ثم وثبوا على تبع فقتلوه فأرادوا أن يدفنوه قائماً فلم يستقر لهم ومكثوا يعالجون ذلك منه حتى ملوا وضجروا وقالوا : أشقيتنا حياً وميتاً وندموا على قتله ، فدفنوه مضطجعاً ، ثم ولوا أمرهم حسان بن تبع - وكان ملك تبع ثلاثمائة سنة وعشرين سنة - فلما أراد حسان الخروج إلى الجبل الذي أمره أبوه تبع استخلف آخاه معد يكرب وانطلق حتى أتى الجبل والموضع فلقيته امرأة فرحبت به وقالت : اقعد ، فلما أراد القعود إذ هو بدود كثير على فراشه ووساده فأبى أن يقعد ، ثم قدمت إليه رؤوس الناس وقالت : كل من هذا فأبى أن يأكل وقال : أقعدتيني وأطعمتيني رؤوس الناس لا حاجة لي في هذا . قالت له : ويحك ما أبعد حظك من حظ أبيك وما أقل ما تملك قومك ؟ إذا ما عصيتني فاشرب ما في هذا الإناء فإذا فيه دم فقال : لا حاجة لي في هذا قالت : هذا الذي أوصاك به أبوك وإن الأمر الذي كان يعمل به أبوك من
كتاب التيجان في ملوك حمير — صفحة 556
مساهمون: ابن هشام الحميري
ص٥٥٦