تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الرد على النحاة — صفحة 78

مساهمون:

ص٧٨
العرب : هذا جحر ضبٍّ خربٍ جحره ، قَبُح ، لأنه عيٌّ من القول ، تغني عنه ضمة الباء ، ويكون الكلام وجيزاً فصيحاً ، فلما كان أصله هكذا ، ثم تُكلِّف فيه ما تُكلِّف من الحذف لما لا يسبق حذفه إلى الفهم بعُدَ . ثم إنه لو كان المضاف إليه ظاهراً لكان أبين ، ولكنه حُذِف المضاف ، واستكن المضاف إليه ، فعزب عن الفهم ، وصار فهمه مع هذا الحذف والإضمار من تكليف ما لا يستطاع . واستنجاز أبو الفتح الرد على كل من تقدم بظن ليس بالقوي ، فكيف بنا ونحن نرد عليهم الظنون الضعيفة بالأدلة الواضحة التي لا امتراء فيها لمنصف . فإن زعم النحويين أنهم لم يريدوا بقولهم في ( أزيداً أكرمته ) وما أشبه أن ( أكرمت ) الذي انتصب به زيدٌ مراد للمتكلم ، ولا أن الكلام ناقص دونه ، وإنما هو شيء موضوع مصطلح عليه ، يُتوصَّل به إلى النطق بكلام العرب ، كما فعل المهندسون حين وضعوا خطوطاً مصنوعة - هي في الحقيقة أجسام - مواضعَ الخطوط التي هي أطوال لا أعراض لها ولا أعماق ، ونقطاً - هي أيضاً أجسام - مواضعَ النقط التي هي نهايات الخطوط ، والتي لا أطوال لها ولا أعراض ولا أعماق ، وقدروا في الفلك دوائر ونقطاً ، وتوصلوا بذلك إلى البرهان على ما أرادوا أن يبرهنوا عليه ، ولم يخلّ إيقاع هذه مواضع تلك بما قصدوا ، بل حصل اليقين للمتعلمين تلك الصنعة ، مع معرفتهم بوضع هذه موضع هذه . قيل للنحويين ليسوا بهؤلاء ، لأنهم قالوا : إن كل منصوب فلا بد له من ناصب لفظي ، فإن جعلوا هذه المحذوفات التي لا يجوز إظهارها معدومة على الإطلاق في اللفظ وفي الإدارة ، والكلام تام دونها ، فقد أبطلوا ما ادعوه من أن كل منصوب فلا بد له من ناصب ، وأيضاً فإن وضع الأجسام مواضع الخطوط والنقد الهندسية تقريبٌ وعونٌ للمتعلم ، ووضع هذه العوامل لا شيء فيه من ذلك ، بل تقدير وتخييل .