تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رحلة الشتاء والصيف — صفحة 230

مساهمون:

ص٢٣٠
على الدهر أن يأتي بنظيره ، وكم طمح لهذه الإمارة طامح ، وسرح لخدمتها سارح ، فافتضِح بقصوره وتقصيره ، وكيف لا وهو الجامع لأشتات الفضائل ، والحريّ بقول القائل : أتته الإمارة منقادة . . . إليه تُجَرْجرُ أذيالها ولو رامها أحدٌ غيره . . . لزُلْزِلت الأرضُ زِلزالها فلم تَكُ تصلح إلا له . . . ولم يَكُ يصلح إلا لها وهو مولانا المقر العالي الأمير محمد بن الأمير فرّوخ باشا ، خلَّد الله تعالى رواق سيادته بدوام دولة أيامه ، وأبَّد سرادق سعادته على مرور الدهور وتوالي أعوامه ، ولا زالت كتائب النوائب بعوادي نقمه إلى أعدائه مبعوثة ، وغرائب الرغائب بغوادي نعمه إلى أوليائه محثوثة . آمين آمين لا أرضى بواحدة . . . بألف آمين في ألفين آمينا ولم أزل في تلك الديار العمادية ، التي أقول فيها بلسان الحال : دار العماد فرط شوقي لها . . . يَجِلُّ أن يذكر بين العبادِ ما راقَ طرفي بعدها منزلٌ . . . لأنّها في الحسنِ ذاتُ العمادِ فلما كان اليوم الثاني والعشرون برزنا من تلك الديار ، إلى حيث تسوقنا الأقدار : فمن لي بقلبي إذ رحلت فإنّني . . . مخلّف قلبي عند من فضلُه عندي ولو فارقتْ روحي إليه حياتَها . . . لقلتُ أصابتْ غير مذمومة العهدِ فآهاً على تلك الديار العمادية وأوقاتها ، وحفظاً لتلك الوجوه التي لشمس المكارم ضوء على جبهاتها ، وفي السلامة من أكدار الغربة ، والعَوْدُ إلى تلك المنازل الطيَّبة التربة ، ما يسلو به الفؤاد ، ويروق مدى الآباد . فهل درى البيتُ أنِّي بعد فرقتهِ . . . ما سرتُ من حرم إلا إلى حرمِ فمررنا بالكسوة ، وهي على ثلاثة عشر ميلاً من دمشق ، وفيها يمكث الحاج .
رحلة الشتاء والصيف — صفحة 230 | محمد كبريت الحسيني المدني / محمد سعيد الطنطاوي