فعزمت على ركوبه والنفس عندها إباء وامتناع ، لما شاع من قولهم ما خفق الشراع ، ولكن أي عقل لمعقول ، وقد ورد في النقول : لو كشف لأحدكم لرأى قائداً يقوده ، فألجأتها إلى ركوبه وألزمتها ، واقتحمت بها لجته وأنشدتها :
لقد خضتِ يا نفسُ بحرَ الهوى . . . وأحرقتِ قلبي بنارِ النوى
علام نفورك من مركبٍ . . . سرى في أمانِ شديدِ القوى
فنزلت إحدى المراكب المتوجهة نحو الروم ، منشداً بيتيّ المفتي أبي السعود وحَبْر العلوم :
خلِّ الديارَ بما فيها لأهليها . . . وقل سلامٌ على الدنيا وما فيها
وألقِ معتصماً تلك العزيمة في . . . بحرِ التوكلِ بسمِّ الله مجريها
فسرنا تلك الليلة والليلة الثانية على أحسن حال وأنعم بال ، ثم اضطرب البحر وقامت فيه العناصل بحيث كادت لا تبقى شيئاً على وجه الماء ، وكان المدفع إذ ذاك ما يناهز الثلاثين سفينة فتفرقت بجمعها ، حتى لا ترى واحدة منها واحدة ولا تظفر عنها بنبأ ، وقد عقد الغيم غمائم غمه ، وأمطرنا الوجل سحائب همه ، وأرسل الغمام علينا الأمطار كأفواه القُرَب ، ولقد شاهدت الأهوال من تلك الأحوال ولا عجب .
على أنها الأيام قد صرن كلها . . . عجائب حتى ليس فيها عجائب
وامتدّ الحال وقلّ النوال ، وقد نفد ما كان معنا من الما ، واستولى علينا الظما :
ومن العجائب أنني . . . في لجِّ بحرٍ صرتُ راكب
وأموتُ من ظمأ ولك . . . ن عادة البحر العجائب
ويقول غيره :
وكم مات في البحر أخو ظما . . . بغُلّتهِ والماء جار وراكد
رحلة الشتاء والصيف — صفحة 131
مساهمون: محمد كبريت الحسيني المدني
ص١٣١